على إثر ضربات الإرهاب العنيفة والمؤلمة والمحزنة في باريس والتي اهتز لها العالم كله واستنكرها وندد بها، فمن المتوقع أن تكون ردة فعل فرنسا -والغرب كله- عنيفة على المنظمات الإرهابية في سورية والعراق، وأتصور أن الغرب فهم الآن، أن بقاء بشار الأسد في الحكم هو الذي سيؤجج الإرهاب، بدعم واضح ومباشر من إيران وروسيا وحزب الله، ولهذا أعتقد أن روسيا ستقتنع -أو سيجري إقناعها بأي وسيلة- بأن دعم بشار الأسد هو دعم مباشر وواضح للإرهاب، ولا بد من إبعاده عن حكم سورية، أما حزب الله الإرهابي في وطنه لبنان أصلاً، فلا بد من تجريده من سلاحه وإعادته إلى الجيش اللبناني، وهو ما سيجعل إيران وأذنابها في كل مكان يفهمون أن العالم لن يحتمل المزيد من الإرهاب، والرعب، والقتل المجاني.
إن تحققت هذه الرؤية التي أتوقعها، في ضوء المؤشرات الواضحة؛ فإن القضاء على تنظيم "داعش" عسكرياً في العراق وسورية، أصبح قاب قوسين أو أدنى، لكن ذلك -لو حدث- لن يقضي نهائياً على "الإرهاب"، فهو في الأساس "فكر متطرف متفش" باسم الدين الإسلامي البريء منه، والفكر لا يقضى عليه إلاّ بفكر بديل، وهو يحتاج استراتيجية وجهوداً وخططاً وآليات تنفيذية، تمتد إلى سنين طويلة جداً، وما لم تقم مثل هذه الاستراتيجية الفكرية، فستنشأ على أنقاض "داعش" الإرهابية تنظيمات أخرى، وبمسميات جديدة، ينتجها ذات الفكر الذي أنتج "الجهاد الإسلامي، والسلفية الجهادية، والقاعدة، وداعش، وبوكو حرام...إلخ".
وكل هذا معروف، ومعروف -أيضا- أن المقاومة الأمنية، والقوة العسكرية لا تكفي لاجتثاث الإرهاب من جذوره، ولذا فإن المأمول ألا ينتهي حماس دول الغرب، والدول العربية التي تعاني من "الإرهاب" عند القضاء على "داعش"، وإنهاء حكم "الأسد"، وقمع "حزب الله"، وقطع أيادي إيران، وإنما مع ذلك، لا بد من أن تضع الدول المعنية "استراتيجية مشتركة" للمكافحة الفكرية، فهي الأجدى، والأنفع، على المديين القصير والطويل.
وبحكم أن المملكة العربية السعودية رائدة وقائدة العالم الإسلامي، وهي أول من عانى من الإرهاب وحذر منه، فإنني أعتقد أنها المرشح الأقوى والمؤهل لقيادة ووضع هذه "الاستراتيجية الفكرية"، التي ستحظى بتأييد ودعم العالم كله، لأن العالم -والمملكة في مقدمته- يريد نشر السلام والمحبة، ومحاربة البغضاء والكره، وكل ما يفضي إلى قتل الناس الأبرياء، أياً كانت معتقداتهم، أو مذاهبهم أو أديانهم.
إنني أعتقد أن استراتيجية فكرية كهذه، لابد أن تتضمن قوانين وأنظمة، تجرم كل ما يفضي إلى تصنيف الناس، أو إيذاء مشاعرهم، أو توجيه التهم لهم، أو تكفيرهم، أو الدعوة إلى قتلهم، واضطهادهم، وقمع حرياتهم. قوانين تحمي الناس من بعضهم بعضاً، وتضمن حرياتهم الكاملة المسؤولة، وتلتزم بها كل دول العالم، ويرافق ذلك خطط تنفيذية تقوم بها كل دولة، وتتضمن مراجعات عميقة وموضوعية، وصريحة، للفكر السائد داخلها، والذي أفضى إلى إنتاج المتطرفين والإرهابيين، ويتولى علماؤها وخبراؤها من مختلف التخصصات، تفكيك ذلك الفكر، ونقضه، وتوضيح عوراته، وإرشاد الناس إلى الفكر السليم المنسجم مع معتقداتهم.
إن الجهود الأمنية بأجهزتها المتطورة، قادرة على ملاحقة ما تم إنتاجه حتى الآن من خلايا إرهابية، وإرهابيين، والقضاء عليهم بالقوة، لكن الأهم من كل ذلك، إيقاف ينابيع "التفريخ" حتى نستطيع القول: إن الشباب أصبحوا في مأمن من التربة الخصبة التي يمكن "تفريخ الإرهابيين" من خلالها، وبدون هذا سنظل ندور في حلقة مفرغة، وسيبقى "الإرهاب" يتوالد.