تنال الفتوى سلطتها في أذهان عوام المسلمين لأسباب عديدة لا يتسع هذا الموطن لشرحها، وهي مسألة تستحق تأملا ودرسا، وبحثا استقرائيا متأنيا، ولكل عالم شهير وكبير أتباع محبون ومخلصون -ربما يبلغون الملايين- ينتظرون تصريحه في كل واقعة، ويترقبون فتواه في كل نازلة، سواء أكانت هذه النازلة اجتماعية أم اقتصادية أم سياسية، ثم يقع الأتباع -حين يختلف عالمان- في نزاع وخصومة وتسفيه وعداء وتبادل اتهامات؛ ربما تصل إلى حد التفسيق والتضليل، وربما فسق فريق الآخر لأنه يراه متساهلا متتبعا للرخص، يأخذ بالأيسر، و"من تتبع الرخص فقد تزندق" كما يقال.

أود أن أطلق في هذه المقالة بعض الإضاءات حول هذا الموضوع لنرى كيف تتعامل كتب التراث مع اجتهادات المجتهدين من حيث هي آراء بشرية، ظنية، قابلة للنقد، لا يصح أن تعد في ذاتها دينًا يقوم عليه الولاء والبراء.

يقول الأصوليون إنه لا يفتي إلا مجتهد، وفي هذا يقول أبو الحسين البصري في كتابه الشهير (المعتمد): "اعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يفتي بالحكاية عن غيره بل إنما يفتي باجتهاده".

وفي الكوكب المنير: "لا يفتي إلا مجتهد".

وليس المقصد الاستقراء التام لأقوال العلماء وإنما الاستشهاد فقط، ولكن ما هو الاجتهاد؟! يجيبنا عن هذا الإمام الآمدي يرحمه الله إذ يقول: "وأما في اصطلاح الأصوليين: فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه".

نقف ها هنا عند قوله: "طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية". فما الاجتهاد إلا طلب ظن! لا طلب قطع! فالمجتهد حين يصل إلى مطلوبه يقول: "أظن أن الحكم كذا".

وهذا لا يكون إلا فيما لا نص قطعيًا لا يقبل الجدل ولا تعدد الأفهام فيه. ومن أجل هذا قال الأصوليون: "لا اجتهاد مع النص". والمقصود هنا: النص بالمعنى الاصطلاحي في علم أصول الفقه؛ أي ما ليس له إلا تفسير واحد، ولا يمكن تأويله.

ولهذا نجد ابن القيّم في كتابه (إعلام الموقعين) يذكر أن حكم المجتهد لا يقال إنه حكم الله، ويسرد في هذا النصوص والشواهد، فيقول: "وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك"، فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله.

ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنا؛ فينبغي هذا، ولا نرى هذا، ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: ولا يقولون: حلال ولا حرام، أما سمعت قول الله تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] الحلال: ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله". انتهى كلام ابن القيّم.

والمقصود هنا: أن حكم المجتهد رأيُه هو، واجتهاده هو، وليس من دين الله في شيء، ولا يحقّ له بأي حال من الأحوال أن يزعم أن رأيه واجتهاده هو حكم الله ودينه وشرعه، ولو أردنا تتبع أقوال العلماء في هذا التفريق بين ما هو اجتهاد وما هو دين؛ لطال بنا المقام، ولخرجنا بكتاب حافل كامل.

السؤال بعد هذا كله: لم يغضب المخالف من مخالفه في مسائل الفقه إذا كان الاختلاف سائغًا، وإذا كان معلومًا أن الاجتهاد ليس إلا رأيا بشريا؟ ولم قد يرتكب إنسان بعض المحرّمات القطعية في دين الله من أجل اختلاف في آراء اجتهادية بين أهل العلم؟