في الفترة من 9- 12 من هذا الشهر عقد مركز دراسات الوحدة العربية، وبمشاركة المعهد السويدي بالإسكندرية، في العاصمة اللبنانية بيروت، ندوة كبيرة شارك فيها أكثر من 100 مفكر وباحث، حملت عنوان مستقبل التغيير في الوطن العربي. وقد كان لي شرف المشاركة والإسهام في تلك الندوة.

جاء انعقاد هذه الندوة، بعد قرابة خمس سنوات على اندلاع الحركة الاحتجاجية في تونس، وانتقالها كالهشيم إلى عدد من البلدان العربية. وقد استدعت لقوة حركتها وتمددها، لقب الربيع، تماهيا مع ربيع أوروبا في مطالع التسعينات من القرن المنصرم. لكن تطور الأحداث في المنطقة، واستفحال ظواهر الإرهاب، وسرعة انتشاره بالبلدان التي شملتها الحركة الاحتجاجية، قد أكد عدم دقة المسمى، وأن ما جرى كان أقرب إلى الإعصار المدمر الذي لم يبق ولم يذر.

كانت مناسبة اندلاع الحركة الاحتجاجية فرصة مناسبة لتنفيذ أجندات، لم يكن بالإمكان تحقيقها، في ظل الاستقرار النسبي الذي حظيت به الكيانات الوطنية، في العقود الخمسة المنصرمة. وبشكل أدق، كان فرصة لتحقيق برنامج المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، والذي تم الإفصاح عنه مباشرة، بعد حوادث 11 سبتمبر 2001. وتزامن ذلك الإفصاح مع قيام بعض مراكز البحوث المعروفة برسم برامج وخطط وخرائط لتقسيم المنطقة بأسرها، وتنظيرات مصاحبة بنهاية سيادة الدول واستقلالها، وبأن العولمة الجديدة ستكنس في طريقها الثقافات وتلغي الحدود، وأن هناك فلسفة سياسية جديدة ستنبثق على قاعدة نهاية الأمم، والكيانات السياسية، واندماج العالم بأسره، في كوكبة اقتصادية وسياسية واحدة.

حمل التنظير الجديد في طياته تبشيرا بنهاية المؤسسات الناظمة للعلاقات الدولية، وبسقوط العقد الدولي المنبثق عن اتفاقية ويستفاليا. هذه الاتفاقية وقعت عام 1648، بعد 30 عاما من الاقتتال الداخلي الأوروبي، وجاءت حصرا لتنقذ أوروبا من الاقتتال. وقد جاءت معاهدة فينا 1815 لتدعم اتفاق ويستفاليا، حيث وضعت خطة سلام، منعت الحروب في أوروبا قرابة 100 عام، وأسهمت في إيجاد توازن بين القوى الدولية المتصارعة.

أساس اتفاقية ويستفاليا هو احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وأيضا حق الأمم في تقرير المصير، لكنها ظلت شأنا أوروبيا خالصا ومحدودا، ولم يجر تحويلها إلى مبادئ سياسية عالمية، إلا بعد نهاية الحرب الكونية الأولى.

تعززت تلك المبادئ بعد إنجاز معظم دول العالم الثالث استقلالها السياسي الذي اكتمل بالبلدان العربية في مطالع السبعينات، ولم يتبق تحت الاحتلال سوى فلسطين الجريحة، التي بقيت حتى يومنا هذا تحت الاحتلال الصهيوني.

الأوراق التي قدمت إلى ندوة المركز كان المفترض فيها أن تقدم قراءة استشرافية لما بعد انتهاء مرحلة الأحادية القطبية، التي باتت أمرا واضحا الآن، بعد بروز الدور الاقتصادي الصيني الكاسح والعابر للقارات، وأيضا بعد الحضور القوي لروسيا بوتين. إلا أن الكثير منها بقي أسير فوبيا برنامج المحافظين الجدد. وكان الاستثناء الواضح في هذا السياق هو ورقة الدكتور خير الدين حسيب رئيس مجلس أمناء المركز، التي حملت عنوان: "العرب إلى أين؟ نحو خطة طريق للخروج من المأزق العربي".

واقع الحال، أن ما يمر به العالم هو مرحلة انتقال من الأحادية القطبية إلى تعددية الأقطاب، بما يعني تراجع الجانب المتوحش للعولمة، وعودة الاعتبار لسيادة الدول، ولحقها في اختيار النظم السياسية التي تلائمها، من غير تدخلات خارجية.

والحقيقة أن خرائط التفتيت التي طرحت من قبل المحافظين الجديد لم تشمل فقط الأعداء، بل شملت أيضا حلفاء الولايات المتحدة. وقد تم رسمها بحسبان أن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا أميركيا خالصا، كما كان الربع الأخير من القرن المنصرم. لكن ما غاب عن حسبان الذين نظروا للقرن الأميركي هو أن العالم لا يمكنه احتمال هيمنة قطب واحد عليه، لفترة طويلة، وأن القانون الطبيعي، في العلاقات الدولية، ليس الاستسلام والخضوع لهيمنة القوة الأعظم، بل صراع الإرادات والعمل على تحسين موازين القوى. وهنا يقتضي التمييز بين قوة عظمى كالولايات المتحدة تشاطر قوى عظمى أخرى، وبين احتكار هذه القوة صناعة القرار الأممي.

لقد خرجت الولايات المتحدة عن عزلتها الدولية خلف المحيط منذ الحرب الكونية الأولى، وأكدت حضورها القوي على حساب مصالح الاستعمار التقليدي البريطاني الفرنسي، بعد الحرب الكونية الثانية. ومنذ ذلك التاريخ، تربعت على عرش الهيمنة الاقتصادية، يتنافس معها الاتحاد السوفييتي على الصعيدين العسكري والأيديولوجي.

لكن منتصف العقد الأول من هذا القرن، أكد تراجع القوة الأميركية في المحافل الدولية. وكانت أول إشارة في هذا السياق جاءت من فرنسا، الحليف التاريخي للولايات المتحدة وليس من روسيا الاتحادية. فأثناء التحضير الأميركي لاحتلال العراق هددت الحكومة الفرنسية باستخدام حق النقض، في حال عرض موضوع احتلال العراق على التصويت في مجلس الأمن الدولي. وقد أجبرت إدارة الرئيس بوش على ارتكاب مغامرة احتلال العراق، من غير موافقة دولية.

الثابت الآن أن الولايات المتحدة لم تعد الصانع الأوحد للسياسة الدولية، والسياقات التي تؤكد ذلك كثيرة، وليست على ما أحسب موضوع خلاف. وما سوف يترتب على ذلك سيكون حتما إعادة الاعتبار لاتفاقيات ويستفاليا، والتأكيد على حق الأمم والدول في اختيار نظمها السياسية، وتجريم التدخل في شؤونها الداخلية.

مرحلة تاريخية جديدة تبدأ الآن، سيكون لها انعكاساتها المباشرة في ترصين العلاقات الدولية، وهزيمة الإرهاب، والتأكيد على سيادة واستقلال الدول. وقد بدأ وضع اللبنات الأساسية في النظام الدولي الجديد. والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه: هل سنكون صدى واهنا وعاجزا في التحولات الدولية الجديدة، كما فرض علينا في السابق، أم أننا نستعد من الآن في أخذ مكاننا اللائق في مسيرة التاريخ المتجهة إلى الأمام؟!