نتحدث اليوم عن مساهمات البنوك وبعض الشركات ورجال الأعمال في وطن كل مكاسب أولئك من خيراته، وهم يضنون بهذه الخيرات على هذا الوطن وأبنائه. وإذا كان الوطن -أي وطن- يحتاج أبناءه للنهوض به والمساهمة في حل مشكلاته فإن الوطن اليوم أحوج ما يكون إلى تلك المساهمات والخدمات الاجتماعية ممن تضخمت أرصدتهم من خيراته. تحدث كثيرون في هذا الموضوع، وسنظل نكتب عنه لأهميته الكبيرة، ولما لتلك المساهمات من أهمية في حل مشكلات الوطن مثل التوظيف والإسكان والتعليم وما تنطوي عليه تلك المشكلات من أبعاد ومخاطر. فالبطالة وعنوسة الشباب والشابات تزداد، ولم نر جامعة، أو برامج للتطوير والتدريب، أو مؤسسة خيرية، أو مدرسة نموذجية، أو مستشفى، كبوادر اجتماعية من أي بنك؟ هل يعقل هذا؟ انظروا إلى أرباح البنوك وتقاريرها الربع سنوية التي تنشرها الصحف والتي تحمل أرقاما فلكية تصل إلى عشرات المليارات! نحن نفرح بهذه التقارير كمجتمع لأنها مؤشر على الانتعاش والاستقرار. لا اعتراض على تلك الأرباح، الاعتراض هو على انعدام أو تواضع مساهمة البنوك ورجال الأعمال والشركات في الخدمة المجتمعية، مع استثناء (باب رزق) كبادرة اجتماعية وطنية مميزة، أسهمت في إيجاد فرص عمل لكثير من الأسر السعودية.
فلا مدرسة مميزة تابعة لبنك أو شركة عملاقة، ولا مستشفى، ولا جامعة، ولا مساهمة تستوقفك بالنظر إلى تلك المليارات التي يجنيها القطاع الخاص –بالتحديد البنوك- من المواطنين والوطن ومن خيراته. ونسأل عن سبب الصمت على هذا التغافل المشين للقطاع الخاص. إنه وجه من أوجه الجفاء للوطن الذي ينهلون من خيراته ثم يصدون عنه عندما يحتاج إليهم.
وإزاء هذا الصمت المريب، والتغافل المتعمد من القطاع الخاص، وتقصيره في دوره المجتمعي، لا نملك إلا أن نناشد رؤساء مجالس الإدارة في الشركات والبنوك وكافة رجال الأعمال أن يبادروا للمساهمة في حل مشكلات وطنهم التي هم أدرى وأعرف بها، وأن يقتطعوا جزءاً من مدخراتهم التي يبعثون بها للخارج للمساهمة في خدمة مجتمعهم. كما أناشد الدولة التدخل بقوة لفرض مساهمات مجتمعية فاعلة على القطاع الخاص، وبالتحديد الشركات الكبرى والبنوك، تتعلق بالتوظيف والإسكان والعنوسة والتعليم والصحة، وغيرها مما يحتاجه المجتمع من خدمات. هذا حق للوطن، وواجب على كل رجال الأعمال والمؤسسات والبنوك. مجالس إدارات البنوك والشركات تتحمل هذا القصور، وصمتها يعني لنا كمواطنين أن الوطن يقبع في آخر اهتماماتهم. هذا هو التفسير الوحيد لصمتهم وإعراضهم عن المبادرات الاجتماعية الوطنية. نعرف أن الوطن يحتاج مدارس، واحتياجه مثلا لمدارس ما قبل التعليم الابتدائي أشد حاجة. والوطن في أمس الحاجة إلى مستشفيات، فقد يبقى المريض أياماً دون حصوله على سرير. فلو اجتمعت فروع البنوك في كل مدينة وأسست لمدرسة ومستشفى، أو تكفلت بإنشاء البنى التحتية من شبكات الصرف والمياه لبعض الأحياء في المدن والمحافظات لما أثر ذلك على مداخيلها العالية جداً، وإذا لم تبادر البنوك والشركات فما الحل؟ الحل أن تتدخل الدولة. لأنه سيأتي وقت تتزايد فيه احتياجات المواطن من الخدمات الأساسية. ومخطئ من يظن أنه توجد دولة في العالم لا يسهم القطاع الخاص في تقديم خدمات اجتماعية لمواطنيها.
البنوك تحديداً تنتشر في طول البلاد وعرضها، وتتاجر بودائع المواطنين وتستثمرها وتقرضهم بأشكال مختلفة وبنسبة ربح عالية وتودع مكاسبها في خزائنها. وأقترح إن لم تتحرك البنوك للقيام بواجباتها أن تعرض بعض الجهات الحكومية عن فتح حسابات موظفيها وتعاملاتها في البنك الذي لا يقدم خدمات اجتماعية. نعرف أن رؤساء مجالس إدارات كثير من مؤسسات القطاع الخاص من أهل الخير، نعرف أسماءهم وانتماءاتهم الوطنية الإيجابية، لكن ثقافة الخدمة المجتمعية تنقصهم، وأرجو أن ينطلقوا للمسارعة في إقامة مشروعات مجتمعية فاعلة، فمن غير المعقول أن تتنامى أرباح الشركات والبنوك و(أن تبقى دولة بين الأغنياء) وهم يرون مشكلات وطنهم تتفاقم ولا يأبهون.
إما أن يبادروا أو يجبروا على المبادرة.