للمرّة الأولى في تاريخ السويد الحديث يدخل اليمين المتطرّف بعشرين نائبا إلى البرلمان السويدي. وللمرّة الأولى أيضا يعاد انتخاب حكومة يمينية في هذه البلاد.وينبغي ألا يغيب عن الذهن ما يعنيه "الموديل السويد" بالنسبة لمعسكـر اليسـار الأوروبي المعتدل كلّه.
ونفس التوجّه يتعمّق في هولندا وهنغاريا ـ المجر ـ والنمسا التي يصف العديد من المحللين الغربيين أنفسهم نتائج الانتخابات الأخيرة فيها بأنها اقتراب من النهج الفاشي حيث حصل اليمين المتطرّف على نسبة 27% من أصوات الناخبين في العاصمة النمساوية فيينا.
واليمين التقليدي المحافظ عاد إلى السلطة قريبا في بريطانيا وإيطاليا وهو على رأسها أصلا منذ سنوات في ألمانيا وفرنسا وهولندا والبلدان الأسكندنافية والدنمارك وفي الأغلبية الساحقة من بلدان أوروبا الشرقية، الشيوعية سابقا.
الوجه الآخر لهذه الصورة هو انحسار صوت من يسمونهم في أوروبا بالديموقراطيين ـ الاشتراكيين من الوسطيين ـ غير الاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم من فصائل اليسار التقليدي ـ الذين حكموا لسنوات طويلة في عدّة بلدان أوروبية أساسية مثل بريطانيا وألمانيا. وانحسار كبير أيضا لليسار غالبا في أوروبا، كما تقول صناديق الاقتراع.
اللافت للانتباه أنه حتى الحكومات الاشتراكية الأوروبية، "الصامدة" حتّى الآن، في إسبانيا واليونان انتهجت، أمام الواقع الذي فرضته الأزمة المالية العالمية ونتائجها، سياسات اقتصادية ذات منحى ليبرالي واضح يتماشى مع منطق السوق؛ مقتربة بذلك من نهج اليمين ومبتعدة عن أطروحات اليسار.
ومن اللافت للانتباه أيضا أنه حتى في الحالات التي بدا فيها أن هناك نهوضا لتيار اليسار الأوروبي في السياق الحالي، مثلما أظهر اختيار ايد ميليباند الذي لقبّوه بـ "الأحمر" ، كرئيس جديد لحزب العمّال البريطاني بمواجهة أخيه دافيد اللبرالي،سرعان ما جرى الإعلان عن تأييد إجراءات اقتصادية وضرائبية اتخذتها الحكومة البريطانية المحافظة.
لكن يبقى الانعطاف المثير للقلق الذي تعرفه أوروبا في السياق الراهن هو الصعود الكبير لليمين المتطرّف ودعواته للتقوقع على الذات باسم إنقاذ أوروبا من أشكال "الغزو" التي تهدد هويتها وتهدد المكتسبات الاجتماعية لمواطنيها.
الترجمة "السياسية" لمثل هذه الدعوات تتمثل في صياغة برامج تقوم على رفض الآخرين، وفي تبنّي خطاب متطرّف قائم على الخوف والتخويف من المهاجرين عامة والمسلمين منهم خاصّة. ولا بدّ من تسمية الأشياء بمسمياتها،وهذا ما يفعله المحللون الأوروبيون غالبا ويؤكّدون على الوقائع التي قد تختلف قراءتهم لها.
إن هذه المسألة دقيقة إلى درجة لا ينبغي معها الحديث عنها مواربة أو نفيها أحيانا. فهذا لن يغيّر من واقع أنها قائمة ومقيمة وتتطلّب معالجة هادئة ومسؤولة نظرا لأخطارها الكبيرة التي تهدد الجميع اليوم، وأكثر غدا.
ما يُبديه المشهد الأكثر بروزا لأوروبا الراهنة هو سيادة حالة من "الغياب" الكبير لفاعلية أولئك الذين طالما ارتفعت أصواتهم دفاعا عن الحريّة والتسامح. وأوروبا اليوم هي بحاجة ماسّة لهذه الأصوات كأحد الكوابح ضد خطر الانزلاق نحو التطرّف القاتل.
بالمقابل أصبحت حركات اليمين المتطرف بشتّى تعبيراتها مكوّنا فاعلا في موازين القوى السياسية في أغلبية البلدان الأوروبية. بالتأكيد هي ليست مرشحـّة لتولي السلطـة في هذه البلدان.
لكـن ليس بعيدا شبح دخولها في ائتلافات حاكمة، على غرار السابقة النمساوية منذ سنوات قليلة أو كما يبدو في أفق النمسا وهنغاريا اليوم.
الكلّ هنا على دراية بهذا الواقع الجديد. وجميع القوى السياسية التقليدية الأوروبية، يمينا ويسارا، غيّرت من خطابها إلى هذه الدرجة أو تلك على قاعدة حسابات انتخابية. ولعلّ التغيّر الأكثر وضوحا والأكثر مدعاة للقلق هو تبنّي بعض الحكومات الأوروبية الرئيسية خطابا متشددا يقترب من خطاب اليمين المتطرّف من حيث الربط بين غياب الأمن والهجرة والمهاجرين.