من المتسالَم عند الأصوليين -أعني علماء أصول الفقه- أنه لا تجوز الفتوى إلا من "مجتهد"، وأن الاجتهاد ما هو -كما يقول الآمدي- إلا "طلب ظن". وذكر ابن القيّم في كتابه (إعلام الموقعين) النهي عن أن يسمّى حكم "المجتهد" حكم الله، فهو -أي الاجتهاد- رأي المجتهد وظنه ولا يُنسَب إلى الدين. هاهنا نتساءل: ما موقف العامّي من كل هذا؟

نجد الإمام أبا حامد الغزالي يذكر في (المستصفى): "أن العامي بالإجماع مأمور باتباع المفتي".

لكن هل يجب على العامي اتباع مفتٍ محدد معيّن؟

يجيبنا عن هذا السؤال ابن القيم يرحمه الله فينصّ في (إعلام الموقعين) على أنه: "لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك" فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه". انتهى.

فأحال ابن القيم الأمر إلى "الاطمئنان النفسي" للمستفتي.. {بل الإنسان على نفسه بصيرة}. ولكن ماذا لو تعدد المفتون فأحل مفتٍ شيئا وحظره الآخر؟

يقول الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه): "فإن قال قائل: فكيف تقول في المستفتي من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا فهل له التقليد؟ قيل له إن شاء الله: هذا على وجهين: أحدهما: إن كان العامي يتسع عقله، ويكمل فهمه إذا عقل أن يعقل، وإذا فهم أن يفهم؛ فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم وعن حججهم، فيأخذ بأرجحهما عنده. فإن كان عقله لم ينقص عن هذا، وفهمه لا يكمل له؛ وسِعَه التقليد لأفضلهما عنده، وقيل: يأخذ بقول من شاء من المفتين، وهو القول الصحيح".

وإذن فالعامي (مخيّر) في قبول قول أي مفتٍ شاء عند الخطيب البغدادي، فله الحق أن يأخذ بقول من شاء من المفتين، ووافقه في هذا الإمام أبو يعلى الفراء في كتابه (العدة في أصول الفقه) فقال: "وأما تسويغ العامي تقليد من يشاء من المجتهدين فلعمري إنه كذلك. وهو ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية الحسين بن بشار المخرمي وقد سأله عن مسألة من الطلاق فقال: "إن فعل حنث. فقال له: يا أبا عبد الله إن أفتاني إنسان، يعني: لا يحنث؟ فقال له: تعرف حلقة المدنيين بالرّصافة؟ قال له: فإن أفتوني يحِل؟ قال نعم".

وهذا يدل على أنه لا يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين؛ لأنه أرشده إلى حلقة المدنيين، ولم يأمره بالاجتهاد في ذلك". انتهى كلامه.

فأبو يعلى الفراء الحنبلي يرى -معتمدًا على هذا الموقف المرويّ عن الإمام أحمد- أن من حق المستفتي أن يتخيّر بين أقوال المفتين؛ فها هو ذا الإمام أحمد يفتي بالحنث في مسألة في الطلاق، ويدلّ السائل على أن يستفتي من يقول بحله، ويرى أنه يجوز له الأخذ بقولهم وإن خالف اجتهاده.

ولهذا يقول الفرّاء مستنتجًا: "ويدل أيضاً على أن العامي إذا سأل عالِمَيْن، فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة أنه يجوز له أن يأخذ بقول من أفتاه بالإباحة".

ويعضد الفراء موقفه هذا بقصة أخرى عن الإمام أحمد، قال: "وكذلك نقل ابن القاسم الحنبلي أنه قال لأحمد -رحمه الله-: ربما اشتدَّ علينا الأمر من جهتك [أي كان اجتهادك شديدًا علينا] فمن نسأل؟ فقال: "سلوا عبد الوهاب". انتهى.

وهكذا فتلاميذ أحمد يستشيرونه إذا تشدد في اجتهاد من اجتهاداته، يستشيرونه في سؤال من يجيز ما حرّمه هو، فيدلهم الإمام أحمد -بكل أريحية- على أحد الفقهاء الذين يتساهلون فيما تشدد هو فيه!

ونستنتج مما سبق: أن الفتوى لم تكن لتكون (ملزِمة) بل هي في أحسن أحوالها (مُعلِمة)، وأنها ما هي إلا آراء رجال وظنونهم، وأن للعامّي أن يأخذ بقول أي المفتين شاء، وأن الإمام أحمد كان بنفسه يدلّ تلامذته على من يتساهل فيما يتشدد هو فيه ويأذن لهم بهذا، دون أن يأمرهم لا باجتهاد ولا باستدلال؛ فالأمر واسع!