تشظيات هذا العصر وتداعياته وانهياراته وصراعاته يتراءى للبعض منا أنها استنبات عصري منبت، خارج سلطة العقل الموروث وانخطاف يعجز الكائن الإنساني عن فهمه وتفسير دلالاته، ولكن قراءة المكبوت والمنبث والمتواري والمنسرب من شق الحفريات المعرفية، يظهر تلك الحالة المأساوية من الفناء والدمار والانمحاء الكامن والمدون في نسيج المحصول الشعري، المتلبس بالدم والقتل والتشرد وهدم الديار والفجائع وتراجيديا الآلام، وموت الحياة وإزهاق الأرواح وإشعال الحرائق، وظلامية الفكر وخلخلة اليقينيات والاحتفاء بالسواد.. هي ركام من المعطى في السجل والذاكرة الشعرية، المنقوعة بالمواجع والدموع والمناحات العربية، وزعزعة الاستقرار والاغتراب النفسي وفرض التبعيد الوحشي عن الأوطان والديار، والاصطراع الوجودي المأزوم: "فأصبح بعض الناس يقتل بعضهم.. فمن بين مقهور ذليل وقاهر، فلا فاجر للبر يحفظ حرمة.. ولا يستطيع البر دفعاً لفاجر، تراهم كأمثال الذئاب رأت دما.. فأمته لا تلوي على زجر زاجر، وحل بهم ما حل بالناس قبلهم.. فأضحوا أحاديث لبادٍ وحاضر"..

هذه الصور الشعرية السابقة واللاحقة المستهجنة للحياة والبقاء قيلت قبل أكثر من "ألف" عام، باعثة للموت والعدم والمرارة والإفلات من التواؤم مع البقاء والصيرورة، بكل ما فيها من انتهاكات صادمة ومشوهة وتجسيم حسي وعبثي: "فقوم أحرقوا بالنار قسرا.. ونائحة تنوح على غريق، تفر من الحريق إلى انتهاب.. ووالدها يفر من الحريق، ومغترب قريب الدار ملقى.. بلا رأس بقارعة الطريق، فلا ولد يقيم على أبيه.. وقد هرب الصديق بلا صديق"، صور مؤنسنة يلتقطها الذهن كل مساء تشبه هذا التخييل الماورائي البعيد في جوف الدهور والأزمنة، والمعيد لغبار العصور وفنتازيا السخرية ومحفزات الطغيان والجبروت: "وطول صياح لداعي الصباح السلاح السلاح فما يستفيق، فهذا قتيل وهذا تليل.. وآخر يشدخه المنجنيق، هناك اغتصاب وثَم انتهاب.. ودور خراب وكانت تروق"، ليس هناك فرق رغم محاولتهم إقناعنا أن "الماضي لا يعود"، ولكن هذه المشاهد تتكرر كل لحظة وحين، بكل مداليلها وحمولاتها وصورها المألوفة وتعقيداتها وتناقضاتها وفوضاها الفاسدة، ومتنافراتها المأزومة وأحلامها الطائشة في كل مدارات الأرض: "ووالدة تبكي بحزن على ابنها.. فيبكي لها من رحمة كل طائر"، ويقول آخر: "إذا رموهم بنارهم من يمين وشمال وخلفهم وأمام.. كم رضيع هناك قد فطموه بشبا السيف قبل حين الفطام، ألف ألف في ساعة قتلوهم.. ثم ساقوا السباء كالأغنام"، يبدو لهؤلاء أن الحياة لم تعد صالحة حتى للموت، كما يؤكد ذلك هذا التاريخ المتصدع والدموي غير الكريم دون أن نستخلص العبر ونحيا الحياة المبتغاة تحت سقف الأمل وسمائه البيضاء.