كانت تجربة واضحة ومضيئة لرأي العين وبدليل وشاهد حاضر لكل أمانة وبلدية ومركز مرت عليها تجربة هطول الأمطار خلال الأيام الماضية، ونحمد الله على ذلك فما هي الدروس والعبر التي جعلت هذه الأحداث تتكرر دون مراجعة جادة وقاسية على المسؤول نفسه الذي تحمّل أمانة المسؤولية عن أمانة هذه المدينة، أو تلك، ومعها يتكرّر الخطأ، وسالت الأودية والشعاب فأصبحت بيوت الناس ومساكنهم تقع على ضفاف المياه لتعطل مشاغلهم ومدارسهم وأعمالهم، وتنفرد البلديات والدفاع المدني والجهات ذات العلاقة بالتحري والمتابعة لمدة أيام بلياليها، أليس بالإمكان تلافي ذلك من خلال الخطط والاستراتيجيات ومعالجة القصور في بعض نواحي التنفيذ التي تقوم بها الدولة للرفع من مستوى معيشة ورفاهية المواطن ثم تذهب تلك الأموال هدراً خلال أيام قليلة نتيجة الانفراد بالقرار وتغيَّر المسؤولين، فهذا أمين جديد وخطة جديدة وهيكل جديد ويُرمى بالخطط السابقة عرض الحائط.

إنه بمراجعة يسيرة لبرنامج التخطيط العمراني للمدن التي تقع في الصحراء وهي التي تُعاني من المشاكل أثناء الأمطار، لأن المناطق الجبلية قد يسّر الله لها انحدار المياه إلى السهول والأودية المجاورة، لكن المدن الصحراوية في المناطق الوسطى والشرقية والشمالية وبعض مدن الأخرى التي تقع على كثبان رملية بتمرير المخططات من التجار داخل مجاري السيول وعلى ضفاف الأودية وتمت الموافقة عليها، إذ جاءت في مجاري السيول، كما حدث بوضوح في جدة قبل فترة، ألم تكن هناك مراجعة مدروسة لاختيار مدن جديدة تصمم على بُعد كيلومترات من هذه المجاري والشعاب، كما رأيت ذلك في بعض القرى والمدن حيث تم تخطيط مخططات على أطراف المدينة بعيدة عن الوسط والمزارع والأودية؟

آن الأوان أن تتولى وزارة التخطيط ووزارة الشؤون البلدية والقروية إعادة تصميم المدن ونقل السكن بعيدا عن الأخطار، ولدي مثال شاهدته قريبا في بعض المدن التي تقع على خط الرياض القصيم، والرياض مكة المكرمة، فقد بدأت بعض البلديات في إحداث مخططات سكانية في المرتفعات، ونجحت في نقل السكان إليها على مراحل، وهذا ما أتمناه في المدن الرئيسة، وكذلك بوضع برنامج تصريف السيول والاهتمام به كأبرز البرامج التّشغيلية خلال السنوات الثلاث المقبلة، وسرعة التحرك حتى لا تحدث أمور ليست في الحسبان خصوصا أن الأفلاك ودوران الفصول تتغير كل عام، والسنوات المقبلة ربما تشهد غزارة أمطار أكثر من هذه التجربة التي مرت على جدة وبعض مدن المملكة.

إن تكاتف الجهود كفيل بحل توقف الأمطار بجوار مساكن الناس التي شلت حركتهم وأصبحت عملية تصريف السيول مكلفة جدا إلا بتطوير آلية برنامج تصريف السيول ودعوة الشركات العالمية المتعددة لتنفيذ ذلك خلال مدة لا تطول، وخاصة أن المدن الرئيسة لديها برامج ومشاريع قد تسهم في حل مشكلة تصريف مياه أمطار، فالأمل معقود على وزارة التخطيط والأمانات التي تم استثناؤها من نظام المنافسات الحكومية والسماح لها بالتعاقد مع الشركات مباشرة، المال موجود والرجال المخلصون لديهم إدراك لهذه الخطورة، فقط نحتاج عزيمة وسرعة تحرك وحتى لا تُلْغى الدراسة ويتضايق الطلاب مرارا من التأجيل، وهذه مشكلة أخرى لو استمرت لحدث خلل في العملية التربوية التي أُعدّتْ لها مناهج وساعات محددة ولم يحدث هذا إلاَّ في السنوات الأخيرة، رجائي أن أرى منظومةً متكاملةً من التخطيط والتنفيذ والجدية في العمل ليرتفع سْقف الإنتاج في هذا الوطن.