يقول الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير (1694-1778): "قد أختلف معك في الرأي، ولكنني على استعداد لأن أموت دفاعا عن رأيك"، بمعنى حقك في الرأي وحقي في الرد وحقي في الرأي وحقك في الرد، لماذا أفسرها كذلك؟ لأنه حين يضمن حق الغير في الرأي هو قبل ذلك يفكر في حقه، أي أدافع عن حريتك لأنني أدافع عن حريتي. والآن لننظر حولنا إلى كثير ممن يحملون هذا الشعار إلى سلوكياتهم وردود أفعالهم تجاه قضايا معينة، ونسأل: هل هم حقا يطبقون ذلك؟
إن تابعنا ردة الفعل التي تثيرها بعض المقالات أو الأقوال أو التصريحات، ولنترك جانبا تلك التي تصدر عن المتطرفين فكريا من هذه المدرسة أو تلك، ولنركز على من يعتبرون أنفسهم ينتمون إلى الوسطية، ويسمون أنفسهم مثقفين أو مفكرين، أولئك الذين تجد فيما يكتبون تأييدهم التام والمتكرر لحرية الرأي، هل هم جميعا يؤمنون بحرية الرأي أو التعبير؟ ما وجدته أخيرا كان صادما، خاصة حين يخرج ممن كانوا يدافعون عن شخصيات ظلمت، حسب رأيهم، بناء على مغالطات في التأويل أو التفسير لما صدر منهم، سواء كان في مجال الأدب؛ من شعر ونثر ورواية، أو المواقف السياسية! لأنهم مع أول مواجهة قادمة ممن ينتمي إلى مدرسة أخرى من التفكير، كانوا أول وأشرس المهاجمين! بمواقف كهذه يتساقطون الواحد تلو الآخر من على شجرة حرية الرأي والتعبير! وعلى ماذا بنوا حجتهم؟ على النية أو التأويل! ألم تكن هذه التهمة بذاتها ما نُسب للفريق الآخر حين قرر أن يعادي كاتبا أو شاعرا أو مفكرا؟!
لن أتحدث عن ماهية الحرية، فهي مفهوم واسع ومتشعب، فما أصبو إليه من حرية قد يختلف عن غيري؛ الحرية من الديون، الحرية من القيود، الحرية من الاستبداد، الحرية في اتخاذ القرار أو حتى الحرية من اتخاذ القرار... إلخ، سأتحدث هنا عمن ينصب نفسه كمدافع أو حام لحقوق ومصالح الغير التي يروج لها تحت شعار "الحرية"، ولنسأل: على ماذا يبني مواقفه؟ أليس على ما يراه هو، في زمن أو موقف محدد، على أنه في مصلحة الآخر، سواء كان فردا أو مجموعات؟ أليس من الممكن أن يكون ما يراه مصلحة هو ضرر، أو ما يراه ضررا يكون مصلحة؟ إذًا قد يكون حكمه صادرا عن رؤى ومواقف شخصية! الناتج من هذه التصرفات أو لنقل التحركات، يكون فوضى وتجييشا وتشتيتا، وإن كانت هنالك فعلا قضية، وغالبا ما يكون الأمر كذلك، تضيع في خضم كل ذلك، وبدلا من المشاركة في العصف الذهني للبحث عن الحلول تبدأ الحروب والمواجهات! ومرة أخرى لماذا؟ لأنه يعتقد بأن "الآخر"، وهنا أعني المجاميع، هو نسخة واحدة من الظروف والفكر والخلفيات، رغم أن هذا "الآخر" قد يكون يعاني من نفس المشكلة، لكنه ليس بالضرورة يتفق مع الطرق أو الأيديولوجية التي بنيت عليها المعالجة، والتي غالبا ما يرى أن فيها ضررا وتعديا على حقوقه!
من يريد أن يحرر الناس مما يرونه عبئا يقيد حياتهم اليومية، فليترك كتبه وأقلامه والتقارير المكدسة في حاسوبه أو فوق مكتبه، ولينزل من على منصته ويتوجه إليهم، على تنوعهم واختلافهم، ويصغي بموضوعية إلى وجعهم، ليتحاور معهم حتى يصل إلى ما يريدونه هم وليس ما يريده هو لهم، هذه النوعية فقط هي التي عادة ما تتوصل إلى نتائج ناجحة تطبق وبفاعلية، لكن المشكلة فيمن ينزل، أقصد من يتنازل وينزل، الذي تكون تحركاته مبرمجة كالمغناطيس يتوجه إلى حيث يعلم مسبقا بأنه سوف يلتقي بمن يتوافق مع وجهة نظره فيجمع ما يسميه نتاج بحثه، ويقدمه على أشكال متعددة حسب المنبر الذي يبحر من خلاله إلى الناس، مستخدما كل جديد مما يقع تحت تصرفه أو إمكاناته من التقنية، لزوم الإبهار، ليقدمه كحجج تدعم الحلول التي كان رسمها مسبقا! ولكن ماذا عن البقية؟ بالنسبة له، لا يهم! بما أنهم ينتمون إلى نفس المجتمع، إذًا ما يطبق على مجموعة منه قابل للتطبيق على البقية! والناتج؟ لا شيء، ونعود إلى نقطة الصفر! ثم تظهر شخصية أخرى تحمل نفس المشعل وتتعامل مع نفس القضية بنفس الأسلوب، لكن بمفردات مختلفة، لزوم التحديث؛ "ما أراه أنا في مصلحة المجاميع هو التوجه أو الطريق الصحيح"!
لب الموضوع هنا أنه لا الذي يحتمي خلف شعارات يفيد، ولا الذي يحمل مشاعل يفيد، إن كانت هنالك ازدواجية في المعايير وإصرار على أن ما يُقدَّم هو فقط الصواب وفي مصلحة الجميع! الزمن لم يعد كما كان، وهنالك كثير ممن يرفض أن يؤجر عقله أو يبيع ضميره، كما أن نسبة الوعي في ارتفاع، وما يختفي خلف تجييش المشاعر والمفاهيم المبهمة يظهره البحث والتفكير، وبدأت أصوات تظهر لتناقش وتحاور بموضوعية، ليس تتبعا للأخطاء، بل للاستيضاح من أجل التأكد وتقديم الدعم أو التوعية، أصوات لا تفرض أو تقرر، بل تحترم حرية الاختيار، حتى وإن لم يكن هناك توافق في الرؤى.