هكذا وبكل هدوء، رحل الوالد الغالي (شويل) تماما مثلما عاش لتسعين سنة اسما مفردا وعقيما لم يكتب له الله ذرية وربما كان هذا من حسن حظه وقدره. قرأت نهايات مساء ما قبل البارحة تغريدة الصديق الشقيق، أحمد أبو دهمان، وهو يؤبن (شويل) فعدت إلى ذاكرتين: الأولى، ذاكرة (حزام) أبو دهمان حين سرق أبو نبيلة في روايته التاريخية قصائد (شويل) كي يطرز بها طقوس قريته الأسطورية في مواسم الحصاد والختان (والطخلة) وأيضا في (هزملة) القرية وهي تذهب بالنعش إلى المقبرة.
في الذاكرة الثانية، حين وقفت على المطل المهيب لقرية آل خلف بصحبة بعض أصحاب المعالي وهناك التقينا (شويل) في صدفة نادرة: كنا جميعا ننظر لقلاع القرية وبيوتها في منظر أخاد، وفي المرة الوحيدة التي قابلت فيها العم (شويل) ودعته بالسؤال: ماذا تريد؟ أجابني وهو ينظر إلى المقبرة الصخرية في جنوب غرب القرية (الوطن)
لآل خلف: (بودي يا ولدي أن يقبروني مع ذوليه...)، وفي لهجة (شافعية) مؤلمة. كان يخشى أن يرحل وقد انتهت مساحة المقبرة. ودعته في اللقاء الأول والأخير ثم كتبت أمنيته الأخيرة بالحصول على مساحة قبر في مقال.
لماذا إذاً أكتب عن (شويل)؟. أولا، لأنه شاعر الدمة والعرضة (الهود) والختان والزفاف الذي ندفن ومعه في قبره حكايات شعوف وقرى كاملة. ثانيا: لأننا نقبر معه أساطير القرى الجبلية التي تجعل من الإعانة البدنية إلهاما وطموحا مثلما كان لنا من قبل. (صمان... عريج... كثيف... عميان) وكل هؤلاء كانوا يبرهنون أن القرى الجبلية أكثر انسانية حين كانت ذات زمن تضع (الأشول) على يمين (الأيسر).
أكتب عنه، ثالثا، لأنني قابلته في مرة وحيدة شاردة ولنصف ساعة فلم أشاهد في حياتي رجلا لا يطلب من الحياة بأكملها سوى مساحة قبر في مقبرة يخشى أن تمتلئ قبل أن لا يجد له مساحة مترين مع الجيل الذي عاش معه. أكتب عنه رابعا لأنه كتب تاريخ قبيلته شعرا وكان يتمنى لتسعين سنة أن يرزقه الله ولو بطفل واحد كي يرث الإسم وهنا المفارقة: قبيلة تخرج بأكملها لتحمله مغشى إلى القبر الأخير وفي المساحة الأخيرة مثلما كان يتمنى بالضبط.
أكتب عنه أخيرا كي أطلب دعوة صادقة بالقبول والرحمة عاش كل حياته باسم ثانوي هامشي وحيد: لكنه ولله الحمد وجد مكانا بالمقبرة.