وللشهر الثاني على التوالي، لا زال أمامي وعلى طاولة مكتبي المنزلي، كتاب باراك أوباما "أحلام من أبي"، وقصة الإرث والعرق. أكملت قراءة هذا "السفر" الضخم في بضع ليال ولكنني أستعيد قراءته وبكل المتعة، وللمرة الثانية متأملاً بكل هدوء تفاصيل كل صفحة. سأعترف أنني عاشق لكتب السير الذاتية وفي كل كتاب من تلك تظهر أمامي محاولة اكتشاف "نقطة التحول" في حياة هؤلاء، وهنا سأعترف بالفضل للراحل الغالي، سعود الدوسري، حين نبهني ذات زمن إلى هذه اللقطة.

ومن قبل قرأت نقاط التحول في حياة هؤلاء: مع بيل وهيلاري كلينتون يوم التقيا للمرة الأولى كعاملين في محطة وقود بمدينة شيكاغو. يوم قرأت بكاء نيلسون مانديلا على مصرع صديقه بطلقة عنصرية طائشة في أحد شوارع جوهانسبرج، وكيف كان لهذه الطلقة القاتلة أن تغتال أحلام قارة بالحرية لو أنها انحرفت بضع مليمترات كي تصل لرأس الشخص المستهدف.

سنعود إلى باراك أوباما وعن نقطة التحول: إنه التعليم ولا شيء غيره. عاد باراك إلى "هاواي" قادماً من قرية إندونيسية. طفلا ضائعا تائها مشردا لولا أن مدرسة ابتدائية خاصة قبلت بانضمامه طالبا في أحد فصولها ولو من أجل الهدف البغيض: تطرير ألوانها بطالب نصف أبيض كي تتفادى المدرسة تهمة التمييز العنصري، الذي كان يومها حديث الأمة الأميركية. لكن باراك أوباما اهتبل الفرصة التاريخية كطالب في أحد أعرق مدارس التعليم العام وأكثرها انضباطا وصرامة، وحين خرج إلى "البر الأميركي" قادما من جزيرة "هاواي" في عامه التاسع عشر ذهب مباشرة إلى جامعة "كولومبيا" ومن هي وما هي "كولومبيا" نيويورك لمن يعرف قصة التعليم الجامعي الأميركي؟ هي رأس الذروة وذروة الرأس في الحلم الأميركي الجامعي.

والخلاصة أنني لا أبحث عن شبيه لجامعة "كولومبيا" فهذا مطلب بالغ الاستحالة لأن بناء التعليم الجامعي يحتاج إلى إرث وثقافة بناء في أساسيات التعليم للوصول إلى هذا الحلم، أنا أبحث في بلدي عن الحلم السهل البسيط: أبحث عن مدرسة ابتدائية واحدة في كل منطقة تعليمية تستطيع أن توصلنا إلى الحلم النهائي ولو لبضعة أفراد قد يتحدثون ذات زمن عن نقطة التحول في حياتهم، وكيف كانت المدرسة الابتدائية أكثر عمقا ورسوخا من الجامعة. سأختم: أكملت رسالة الدكتوراه بين يدي مشرفي "بيتر تروجيل" وهو أشهر وألمع تلامذة "نوم تشومسكي". لكنه وللأمانة لم يصنع لحياتي ومشواري ذات الأثر الذي تركه "المتولي زكي سعيد" يوم كنت طفلاً بين يديه في الرابعة الابتدائية، إنه التعليم ونقطة التحول.