قبل أسبوعين صدر قرار مجلس الوزراء السعودي بتفويض سمو رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية للتباحث مع الجانب الصيني بشأن التعاون المشترك لتطوير مشروع الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، ومبادرة طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين.

هذه الخطوة الاستراتيجية تُعَدُ نقلة نوعية متقدمة في العلاقات السعودية الصينية، خاصة بعد أن أعرب الرئيس الصيني "شي جين بينغ" مطلع العام الحالي عن أمله في مشاركة المملكة في طريق الحرير الذي ستتجاوز التجارة السنوية للدول المطلة عليه قيمة 2.5 تريليون دولار خلال 10 سنوات، ليصبح هذا الطريق حزاما اقتصاديا لرفاهية شعوب هذه الدول.

في دراسة حديثة صادرة مطلع العام الحالي، أكدت هيئة تنمية التجارة الصينية على الفوائد الاقتصادية والاستراتيجية لطريق الحرير الذى يطل على 65 دولة، إذ تسعى الصين خلاله إلى مضاعفة تجارتها مع الدول العربية من 240 مليار دولار في العام الماضي إلى 600 مليار دولار خلال العقد القادم، ومع أفريقيا إلى 400 مليار دولار بحلول 2020.

كما تستهدف الصين رفع رصيدها من الاستثمار في الدول العربية من 10 مليارات دولار إلى أكثر من 60 مليار دولار خلال السنوات الـ10 المقبلة.

ولكونه يخترق قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، فلقد أطلق رئيس الوزراء الهندي على طريق الحرير اسم "الحزام السياسي الاقتصادي"، ولقبه مدير عام منظمة التجارة العالمية بشريان التجارة الدولية، لما يمتلكه هذا الطريق من إمكانيات هائلة للتنمية الاقتصادية في دول هذه القارات ولمساهمته في تعظيم التبادل التجاري بينها، لتفوق قيمتها في العام الماضي 257 مليار دولار مع دول الشرق الأوسط، ونحو 192 مليار دولار مع الدول الأفريقية وفقا لأحدث بيانات صندوق النقد الدولي. 

من ضمن 65 دولة مطلة على طريق الحرير، تعتبر المملكة إحدى أهم هذه الدول، لأنها تطل على 3 من أعظم الممرات البحرية التجارية في العالم، وهي الخليج العربي وباب المندب والبحر الأحمر، إضافة إلى أن 20% من صادرات المملكة النفطية اليوم تذهب للصين، مع توقع تضاعفها عام 2025 لدى ارتفاع واردات الصين من النفط الخام إلى 3 أضعاف مثيلتها الأميركية.

عندما نتحدث عن المملكة اليوم، فإننا نتحدث عن أقوى اقتصاد في العالم العربي والثامن عشر في العالم أجمع، إضافة لكون المملكة تحتل المرتبة الأولى في جذب الاستثمارات الأجنبية في الشرق الأوسط، حيث أكملت المملكة 245 إصلاحا اقتصاديا خلال العقد الماضي، وواصلت تصدرها جميع الدول الخليجية ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الاقتصاد المعرفي وتقنية المعلومات وعدد براءات الاختراع.

وعندما نتحدث عن الصين اليوم، فنحن نتحدث عن أكبر اقتصاد في الشرق الأقصى، وثاني أكبر اقتصاد في العالم، وثالث أهم مقر لأكبر 500 شركة في العالم، وذلك لبراعة الصين في توجيه دفة العولمة لصالحها، فأصبحت العاصمة "بكين" على رأس قائمة أقوى مدن العالم في القوة الاقتصادية التنافسية، بما فيها المدن الرأسمالية المؤسسة للنظام التجاري العالمي، لتتقدم على "نيويورك" و"لندن" و"شيكاغو" و"باريس" و"برلين" و"مكسيكو سيتي" في كافة القطاعات التجارية والمالية والثقافية.

ونظرا لأن القطاع الخاص أصبح المحدد الأساس لمستوى القدرات التنافسية في دول العالم، لكونه القطاع الأكثر قدرة على توفير الوظائف وزيادة القيمة المضافة المحلية، لجأت المملكة والصين إلى رفع نسبة مساهمة هذا القطاع في تشغيل العمالة الوطنية، مما زاد من قيمة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، ليصبح المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني في كلا الدولتين.

من الناحية السياسية، سيؤدي انضمام المملكة لمشروع طريق الحرير إلى زيادة عزلة دولة ملالي إيران، وتعزيز موقف الدول الخليجية مع المحورين الشرقي والغربي معا.

أما من الناحية الاقتصادية، فستؤدي هذه الخطوة إلى رفع مستويات التبادل التجاري والاستثماري والمصرفي بين المملكة والصين من 70 مليار دولار في العام الحالي إلى 150 مليار دولار في 2020، خاصة أن التقارير الدولية أجمعت على أن المملكة تتمتع برابع أقوى نظام مصرفي وثالث أفضل تنظيم مالي مستقر على مستوى العالم.

وفي الجانب المعرفي، سيؤدي الانضمام لطريق الحرير إلى رفع مستوى توطين التقنية في المملكة، خاصة وأنها حققت في العام الماضي المرتبة الأولى عالميا بين 181 دولة في نسبة الصرف على التعليم من الميزانية السنوية وبمعدل يفوق 26%، والمرتبة الأولى في نسبة المبتعثين لعدد السكان بنسبة 0,03%، إضافة إلى تحقيقها المرتبة 30 في عدد براءات الاختراع، لتحقق المملكة أعلى نسبة ارتفاع في المعدل السنوي للنشر العلمي للدراسات العلمية والأبحاث بمقدار 33%، تلتها الصين بمقدار 13%، ثم البرازيل بنسبة 9%، وكوريا الجنوبية بنسبة 7%.

ونظرا لموقعها المحوري على طريق الحرير، فإن مشاركة المملكة ستعزز قاعدتها الإنتاجية وتضاعف صادراتها السلعية، لتكون مركزا مهما للمشاريع الكبرى المتعلقة بصناعة السفن العملاقة وخدمات الأحواض الجافة وأنشطة النقل البحري والمناطق الاقتصادية المؤهلة، ولتصبح المحطة المثلى لأكبر مشاريع الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط بمشاركة الاستثمارات الصينية، وذلك من خلال بناء صوامع الغلال وتخزين ونقل الغذاء، لما لهذه المشروعات من أهمية كبيرة في بناء منظومة التكامل الاستراتيجي بين الدول المنتجة والمستوردة للغذاء في القارات الثلاثة.

انضمام المملكة إلى الدول المطلة على طريق الحرير خطوة استراتيجية رائدة في سعيها الدؤوب إلى تعظيم استفادتها من ثقلها الاقتصادي في النظام التجاري العالمي.