سألني أحدهم ذات مرة، لماذا يظهر الكثير من باعة العسل والبخور بمظهر التدين في هيئتهم ولباسهم؟

فكرت في سؤاله الذي لا أنكر وجاهته، لأني بالفعل لاحظت ارتفاع نسبة أصحاب هذه الصفة في هذين المجالين.

يبدو في نظري أن للأمر علاقة بطبيعة هاتين السلعتين. فهما سلعتان يقل أصحاب المعرفة فيهما، ويعتمد أكثر طلابها على الثقة في البائع أكثر من أي شيء آخر.

هناك من يعرف بشكل تلقائي ميل الناس للثقة بالسمة التي كثيرا ما ارتبطت بالتدين في ذهنية المجتمع، فيوظف هذا في التكسب، لعل الأمر بهذه البساطة لا أكثر.

إنها حيلة الإناء نفسها التي كثيرا               ما يستعملها الكبار في إقناع أطفالهم بشرب ما يمتنعون عنه في العادة، إذ يكفي أن تبدل الإناء وليس ما فيه ليقتنع الطفل بالشرب بعد أن يرى اللون الذي يعجبه، والصورة التي يفضلها تزين إناءه الذي في يده.

هذا البائع إناء لتمرير السلعة المراد بيعها، هكذا هو الأمر على الأغلب. ولكن هل يقتصر استعمال حيلة الإناء على تمرير العسل والبخور فقط؟ لربما هان الأمر لو كان كذلك.

في النفس البشرية نزعة للتصدر والتشوف، كما أن فيها نزعة للتكسب والارتزاق كذلك، ولهاتين النزعتين دورهما في تحفيز كثير من مرتكبي الشرور في التاريخ، إذ إن لهما دورهما في خلق الطاغية كما أن لهما دورهما في خلق القاص الدجال، فتختلف الظواهر لا باختلاف الدوافع بل باختلاف الإمكانات والطبائع.

عرف تاريخنا القُصاص المتشوفين لتصدر المجالس واستدرار الجيوب منذ القِدَم، ولعلي لا أبالغ إن زعمت أن رواجهم وصعودهم مرتبط بكل فترة من فترات الانحطاط التي مرت بها الأمة، وربما كان هذا مصداقا للحديث الذي أورده الألباني في السلسلة الصحيحة: "إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا".

وقد لاحظ النابهون قديما أثر رواج بضاعة القصاص الضار على حركة العلم والوعي، ومن هؤلاء عبدالله بن زيد الذي قال: "ما أمات العلم إلا القصاص، يجالس الرجلُ الرجلَ سنةً فلا يتعلق منه شيء، ويجلس إلى العلم فلا يقوم حتى يتعلق منه شيء".

أي أن جليس القصاصين لا يحدث في عقله أثر مما يسمع سوى ما يخالجه حين سماع الموعظة من الانجذاب والانشدا وبعض ما يجري على شفتيه من السبحلة والحوقلة مع كل فاصلة من القصة، بخلاف العلم الحقيقي الذي يحدث من الأثر ما يكون به ذهن المرء أكثر اتساعا وعمقا بعد كل مبحث.

ولكن لماذا يتوسل القُصاص كل ما هو ديني في أحاديثهم؟ لماذا لا يحدثون الناس بكليلة ودمنة وألف ليلة وليلة مثلا؟ إنها حيلة الإناء نفسها المشار إليها أعلاه، فالمسحة الدينية والإغراق فيها هي ما يجذب الجماهير لثقتهم بالمظهر المتصور عنه الخيرية في الغالب.

إذن فكثير من هؤلاء قصاصٌ أركبوا قصصهم مركب الدعوة لتبلغهم التصدر، وليسوا دعاة تعاطوا مع القص بما يلفت الناس إلى مقاصد الدعوة. فهناك فرق بين طعام يضاف إليه الملح، وملح يضاف إليه الطعام.

من هؤلاء من يزعم الكتابة والتأليف، فإذا قلبت ما يسمى مجازا "كتاب فلان" لم تجد سوى أقاصيص بلا إسناد تستغل ولع العوام  بالغرائبيات، ومنهم مثلا من يتعقب كل ما يروى عن أخبار نهاية الكون، لينسج منه مشاهد سينمائية على صفحات مزركشة، مشابها في ذلك سلفه الذي لاموه ذات مرة في الكذب فقال "نحن نكذب للدين لا عليه"، وكأن صحيح الدين يحتاج إلى معونة الزيف والدجل.

من المهم ألا نستهين بخطر الكذب في الأقاصيص الوعظية، وإن لم يحاول أصحابها إلصاقها بعهد النبوة الأول، فإن كنا لا نتلقى غذاء أجسادنا إلا من أيدٍ لا نرى عليها أثر الوسخ، فمن باب أولى ألا نتناول غذاء عقولنا وأرواحنا إلا من ألسنة وأقلام لا نرى عليها مثل ذلك، وهل هناك ما يكدر الطهر مثل الكذب؟

ولكن لماذا حين يرى الناس في العادة مثل تلك المظاهر لا تستحضر ذاكرتهم الاجتماعية الكذبة القصاصين "رغم كثرتهم"، بل تستحضر بدلا من ذلك الثقات الصالحين من أعلام تاريخنا؟

يبدو لي أن هذا مشابه على المستوى الجمعي لميكانيزم الذاكرة الانتقائية في سيكولوجية الفرد، إذ تهمش الذاكرة لديه تجارب حياته المريرة وتستحضر بدلا منها ما هو إيجابي لتخلق في ذهنه تلك الصورة الوردية التي يحملها عن نفسه.

هو محتاج إلى ذلك ليستمر في العيش، ولكن لذلك خطورته أيضا إن عطله عن النقد الواعي لذاته. هذا تحديدا ما ينبغي الحذر من الانزلاق فيه على مستوى المجتمعات.

من المهم أن يعي كل سامع منا أن من يأتي بالادعاء مطالب بالدليل، ومن يأتي بالخبر مطالب بالسند. علينا أن نتنبه دائما إلى أن ارتفاع الصوت وتردده بالحلف ليس دليلا، وأن "حدثني بعض الثقات" ليست سندا.