الثقة في تعريفها حسب موسوعة "ويكيبيديا" هي الحالة التي يكون فيها الإنسان متأكداً من كفاءة أو دقة أمر ما، يتعلق به أو بشخص أو بشيء آخر، وفي حالة الأشخاص من الممكن أن تكون تلك الثقة نوعا من التأكد من ولاء هذا الشخص تجاه أشخاص آخرين أو قضايا معينة. وعادة ما يكون صاحب الثقة ذا موقف ووجهة نظر ثابتة، ولا فرق إذا كان ذلك الموقف صحيحاً أو خطأ، بل هو مدى تأكد الشخص من ثبوته، ومن أمثلة مصطلح الثقة، الثقة بالنفس"، وفي علم النفس تُعتبر الثقة تكاملية للتأثير الاجتماعي، فهي التي تسهل التأثير أو الإقناع لشخص بالائتمان على شخص آخر. الثقة يتم تبنيها في شكل واسع على نطاق الأشخاص".
قبل أيام شاهدت بالمصادفة على "فيسبوك" ما يشبه إعلاناً لإحدى المحاضرات، رسماً يصور طفلاً على دراجته، وطفلاً معاقاً يركب السيارة خلف سائقه، وكل منهما (يتمنى) أن يكون مكان الآخر لمجرد أن الدرّاج لا يرى إعاقة الراكب، والراكب لا يرى فقر الدرّاج..!!
فكرت كثيراً في المضامين التي يمكن استخلاصها من الرسم، ومن أثره على الشباب الناشئ والأطفال واليافعين وحتى على مجموعة من كبار السن، وما الذي يمكن أن تفعله صورة الرسم هذه.
قلت في نفسي؛ هنا يكون البحث عن تعزيز مستوى الثقة بالنفس من خلال اللعب على إعاقات الآخرين، هو إعاقة لمفهوم الثقة أصلاً.
إذ كيف يمكن بناء شخصية ريادية مبدعة بتكريس مفهوم الشفقة وليس الاحترام للذات، وتقديم منجز شخصي، وغرس قيم روح التحدي..؟!
لا أدري من المستفيد من بث وإرسال مثل هذه الرسائل السلبية، التي يعج بها الشارع الاجتماعي ووسائل التواصل الاجتماعي، وبعض برامج التنمية البشرية العشوائية، ويتناقلها كثير من الناس دون وعي بخطورة تأثيرها.
فعلى ما يبدو أننا لا نعير الكثير من الأهمية لتأثير المصطلحات على النفس البشرية، ولا نجيد رؤية طبيعة تلك الدلالات وما وراءها، ونعتبرها ربما نوعاً من العلم بالشيء لا أكثر، بينما الحقيقة على العكس من ذلك تماماً، ولن أقبل الأمر ببراءة على أية حال، لعلمي ربما بأن هناك دائماً جهة ما تعمل في الظل، ولها أهدافها وأفكارها.
لقد تابعت فيما مضى حملات الرئاسة الانتخابية، واحترمت تقديرهم لأثر المصطلح وقوة وقعه على النفس، وما كان يُعول عليه الرئيس الأميركي جورج بوش الأب الذي كان يرفع للأميركيين شعار الثقة (Trust)، لكنه خسر أمام مصطلح التغيير (Change) الذي استخدمه منافسه بيل كلينتون.
من هنا أدركت معنى القوة التي يتمتع بها المصطلح، وأننا نتلاعب يومياً بعشرات المصطلحات دون وعي وإدراك كبير بما ستتركه من أثر علينا وعلى أجيالنا، وهذا في الواقع إهمال لأشياء نراها صغيرة، بينما هي أسس لصناعة أمة أو هدمها وانهيارها.
فإرسال الإيحاءات تلو الإيحاءات بمصطلح ما من خلال صورة أو رسمة أو مشهد تمثيلي أو إشارة، سينعكس أثره ولو بعد حين سلباً كان أم إيجاباً على شريحة اجتماعية عريضة مستهدفة، لبناء ثقافة عميقة الوعي والجذور، أو ثقافة مهزوزة ومجتمع موجه بامتياز كالقطيع.
أتذكر في مرحلة العشرينات من عمري، أنني كنت على وشك الضياع تماماً، وأتذكر أنني مكثت أكثر من 9 أعوام بعد العشرين، أنتظر مفاجأة تهبط من السماوات أو تتفجر بها الأرض، وتعلقت برائحة الأحلام طويلاً، دون أن أدرك أنني لم أقدم ما يشفع لي أو يبرر على الأقل نزول مفاجأة السماء، حتى عثرت على كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" للأميركي العظيم "دايل كارنيجي"، هذا الرجل الذي صنع كتابه ذاك انقلاباً حقيقياً في حياتي، من خلال توضيح الصورة، ومواجهة المصطلح وجبروته، وأنني صاحب القرار وصاحب اللعبة فقط.
هذا الزرع لمفهوم الثقة كنهاية لفترة تأمل ومواجهة، هو الفارق بين نتيجتين، فإما النجاح وإما الفشل، وعلى ذلك فإنه يتوجب علينا تقدير حجم ما نحن بصدده، وأن نتنبه إلى خطورة ما يُبث من أفكار عظيمة بطريقة مشوشة ومرتبكة أحياناً، ومقصودة في أحايين أخرى.