قد لا تعرفونني، حتى أنكم لم تسمعوا باسمي أو حتى مر عليكم أي مما خطه قلمي طوال هذه السنوات، لكن أتعرفون ماذا؟ أحبكم.. ومن يحب يشعر ويتفاعل، أوليس بينكم من يشعر الآن بالحزن، بالغضب، بالتعب، بالحيرة، بالحنين بالاشتياق، تسيرون في طرقات هذه الحياة كلّ مثقل بما يخفيه بين جنبات قلبه، مع كل نبض دمعة، مع كل نفس ألم، مع كل جرح قناع جديد!. التذكر مر والنسيان مر.. ومر المر أن يلتفت المرء حوله فلا يجد من يواسيه.. يخاف أن يطلب يفسر على أنه ضعف، والمطلوب أن يكون القدوة القوية، أن يكون السند، ينسون أنه بشر له مشاعر له أماني له حياة تراقب أيامها تتقلب كصفحات كتاب مع نسائم الهواء الآتي من كل درب ومن كل صوب!

اليوم، ومن أجلكم سأزرع بداخل كل روح تصل إليها كلماتي بستان ربيع بعبق الياسمين والريحان، سأغزل لكم من نور الشمس أجنحة لتنطلقوا معي في رحلة المحبة.. لنسترجع سويا مشاهد.. ذكريات.. خبرات.. تركت ذاك الأثر الجميل في أعماق أرواحنا؛ جاهزين؟ لننطلق.

هل تذكر أول مرة وقعت وجرحت تلك الركبة الصغيرة؟ هل تذكر على من بحثت عيناك من خلال أدمعك، إلى من ركضت لتحتمي؟

نعم.. إلى أطيب وأنقى حضن، احتواك وهمس في أذنك كلمات نزلت على نفسك كالبلسم، هل تذكر تلك الرائحة، هل تذكر ذاك الدفء، هل تذكر ذاك الآمان؟ الآن أغمض عينيك واسترجع كل هذه الطاقة الإيجابية.

هل تذكر أول مرة وقفت تحت زخات المطر، هل كان في الحديقة، في الشارع، في البرية أم كان من خلال نافذة المنزل؟ هل تذكر تلك الدهشة وأنت تمد يديك لتتساقط عليها حبات المطر، وكيف كانت كل حبة عبارة عن نوتة موسيقية ترددت بداخلك كالصدى فهزتك من رأسك حتى أخمص قدميك، فضحكت وضحكت وربما قفزت تحتها لتغمرك بسمفونية حولت القفزات إلى رقصات تناغمت مع ألحانها.. هل تذكر رائحة الأرض المبللة تتغلغل إلى كل ذرة من كيانك؟ الآن أغمض عينيك وعد إلى ذاك الوقت.. لا تتسرع واستمتع بكل لحظة.

هل تذكر أول رواية قرأتها، هل تذكر أحداث القصة وكيف تفاعلت مع كل جزء منها، هل تذكر كيف تواصلت مع خيالك وكيف شعرت وكأنك تعيش مع أبطال القصة مع كل خطوة مع كل حركة، كيف أنك ضحكت وبكيت وتأثرت، هل تذكر ذاك الهدوء والصمت بعد أن كنت في قلب عاصفة من المشاعر والألوان والأماكن والمناظر التي أصبحت ملكك أنت وحدك لن يشاركك في هذه الخبرة أي شخص ثان، كيف كنت تبتسم حين تصغي لأحدهم يتحدث عنها، وتقول في نفسك: "كلا ليس كما عشت، ليس كما رأيت، ليس كما تذوقت"!

والآن هل يمكنك أن تستعيد كل ذلك؟ مشوار مشيت فيه وحدك لم يمسسه أحد قبلك ولن يعيشه أحد بعدك.. مع كل سطر مرت عليه عيناك، مع كل كلمة قرأت، مع كل شخصية رسمتها في خيالك تسللت من بين أيدي الراوي وأصبحت لك.. تراها كما شئت! والآن أغمض عينيك وأبحر ثانية إلى ذاك الكتاب.

هل تذكر أول مرة دق قلبك؟ قد يكون أول مرة رأيت فيها توأم روحك وشريك حياتك، أو قد تكون أول مرة لامست أنفاسك أنفاس وليدك وشعرت وكأنه ليس بأحضانك بل تسلل إلى دمائك واستملك روحك مع التقاء أول نظرة، هل ارتجفت يداك، هل جف حلقك، هل هربت منك كل التعابير ولم تعد تعرف إن كانت عيناك تدمع أم ثغرك يبتسم أم الاثنان معا؟ هل خفت عليه من الماضي، من الحاضر بل من كل العمر الآتي؟، وهل شعرت بالمحبة تعصف بقبلك لدرجة أنه كاد ينفجر، فأخذت عيناك تجول في كل ركن تبحث عن إجابات لأسئلة لم تكن تعرف أنك تملكها من قبل؟! هل تذكر أمواج السعادة التي تدفقت تباعا داخل روحك؟ ضع يدك على قلبك واتركه يستعيد نبض أول دقاته.

هل تذكر أول مرة مددت يدك لتعطي لا لتأخذ، لم تفكر حينها، لم تحسب لم تنتظر، بل كل ما فعلته أنك نظرت إلى داخل إنسان لا تعرفه، توقفت واقتربت.. سألت وأصغيت بكل جوارحك، هل تفاجأت بكل البوح الذي خرج من روح تتألم، روح لا تعرف عنها أي شيء سوى أن الله جعلها في طريقك ليرحمك قبل أن يرحمها؟ هل تذكر كيف أن الابتسامة تسلقت معالم ذاك الوجه الحزين مع مرور كل دقيقة بل كل ثانية، وكيف ارتاح بعدما أخرج ما يثقل عليه وكأن حجرا كان على ظهره ورآه ينزاح في تلك اللحظات، فتوقف ونظر إليك تلك النظرة التي اخترقتك إلى الأعماق. طهرتك وحررتك، وتركته وأنت تكاد لا تعرف إن كانت قدماك تسير على أرض أم على هواء! هل تذكر بعدها كيف امتلأ فمك بمذاق رحيق لم تجربه من قبل، وكيف أنك مع كل نفس كان ينتشر عبيقه داخل كل ذرة من جسدك؟ حقا ماذا قدمت إليه يومها؟ قدمت إليه إنسانيتك لا أكثر ولا أقل! والآن أغمض عينيك وخذ نفسا وتذكر.. وابتسم.

أحبائي لم يخلقنا الرحمن ليتخلى عنا، يجمع لنا تلك الذكريات ويرسلها لنا تباعا فتنزل كنسمات باردة تلامس حياتنا فتنعشها في حينها، ولكن رحمته سبحانه تكمن في أنه يمكننا أن نستعيدها عند الحاجة، وكل ما علينا هو أن نغمض عينا ونفتح قلبا و.. نتذكر.