وافق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز –حفظه الله– على إطلاق "برنامج الملك سلمان لتنمية الموارد البشرية"، والذي يهدف إلى رفع جودة أداء الموظف الحكومي وإنتاجيته في العمل، وتطوير بيئة العمل ووضع سياسات وإجراءات واضحة لتطبيق مفهوم الموارد البشرية، وإعداد وبناء القادة من الصف الثاني.
يأتي برنامج تنمية الموارد البشرية تحقيقا لأهداف خطط التنمية للدولة، والتي تركز على أهمية الإنسان، ويعدّ هذا البرنامج في الحقيقة تغييرا استراتيجيا في المحتوى والتصور، فالمجتمع السعودي اليوم، يمر بتغيرات جوهرية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وهذه التغيرات انعكست على الموظفين في كل الجهات الحكومية.
لقد أثبتت كثير من الدراسات والأبحاث في علم الإدارة أن "الموظفين يستخدمون أقل من 50 % من طاقاتهم الكامنة في المنظمات التي يعملون فيها، وهذا الضياع ناتج عن أسباب لا ترجع إلى الموظف نفسه، بقدر ما ترجع جزئيا إلى الإدارة العليا"، وبالتالي فإن كل ما تستطيع الإدارة عمله هو توفير المناخ اللازم والبيئة المناسبة لكل موظف، كي يبدع ويعطي أحسن ما عنده، وفي هذا الصدد يقول "بيتر دركر": إن "أي منشأة –أو أي مؤسسة من أي نوع – لها مورد واحد حقيقي: "الإنسان".
وعلى هذا الأساس، كان تركيز الإدارة الحديثة على تهيئة الموارد البشرية خلال منهجية تعتمد على التقييم والاختيار السليم للموظفين، مرورا بالتدريب والتحفيز وتوفير مناخ العمل والبيئة المناسبة، واعتمادا على الرؤية والرسالة والقناعات المشتركة، وهذا ما يهدف برنامج الملك سلمان لتنمية الموارد البشرية إلى تحقيقه، فضلا عن إعداد وتهيئة القيادات الإدارية في الجهات الحكومية.
فكثير من الجهات الحكومية تعاني ضعفَ إنتاجية الموظفين والتسرّب الوظيفي وكذلك ضعف التدريب، وتدني الخبرات الإدارية، وعدم إفساح المجال أمام الموظفين للمشاركة في اتخاذ القرارات، أو الإبداع في مجال العمل، كما أن القيادات الإدارية في تلك الجهات؛ قيادات تسلطية تخدم أهدافا شخصية، في ظل عدم وجود ضوابط مؤسسية واضحة، إضافة إلى غياب الثقافة المهنية في أداء العمل، مما جعل العمل الإداري الحكومي في وضع صعب، لأنه مترهل ومبعثر وقليل الكفاءات أو طارد للكفاءات الإدارية المؤهلة.
فإذا كان الاختيار السليم للموارد البشرية هو نقطة الانطلاق في نظام فعال للإدارة، والتي تستند إلى معايير ومهارات معينة مثل "المهارة العقلية، مهارة الإبداع، المهارة الاجتماعية..إلخ"، فإن هذه المعايير ليست ذات أهمية في بعض الجهات الحكومية، وتكون معايير الاختيار على أساس الولاء القبلي أو العشائري أو إرضاء أصحاب النفوذ حفاظا على بعض المصالح أو الروابط الاجتماعية، الأمر الذي أثر سلبا على الأداء الإداري، فكانت النتيجة فقدان الكفاءة الإدارية.
أما فيما يتعلق بتدريب الموارد البشرية ليكتسب الموظفون مهارات في التشخيص وفي التحليل وفي اتخاذ القرارات وفي التعامل مع العملاء والتكيف مع الظروف المتغيرة، فإن ما يجري حاليا هو عدم اهتمام أغلب الجهات الحكومية بالتدريب لعدم القناعة بأهميته وأثره، إضافة إلى غياب المتطلبات الأساسية للتدريب، والتي يأتي في مقدمتها تحديد الاحتياجات التدريبية، وقياس الأثر التدريبي.
أما بخصوص اختيار وإعداد القيادات الإدارية التي تقوم بإدارة الموارد البشرية، والتي تعمل على توفير المناخ اللازم لكل موظف كي يعطي أحسن ما عنده، فإن اختيار هؤلاء القادة في بعض الجهات الحكومية يقوم على أساس تطبيق مفهوم الالتزام بالطاعة العمياء، وتنفيذ الرغبات الشخصية للرئيس الإداري الأعلى، فالاختيار يتم طبقا لاعتبارات الولاء والطاعة.
أما التقييم السليم لأداء الموظفين، والذي يعدّ أحد أهم عناصر ومراحل منهجية تنمية الموارد البشرية، والذي يستند إلى معايير واضحة مستقاة من المعايير الإجمالية لتقييم أداء الجهة الحكومية في ظل نظام حوافز مالية معلن، فإن التقييم المعمول به في بعض الجهات يعتمد على وجهة النظر الشخصية للرئيس أو المدير الإداري لا من وجهة نظر العمل، فيرفع ويكافأ من لا يستحق الرفع، ويبخس من يستحق الإجلال والاحترام، وليس من حق الموظفين التظلم من تقارير الأداء الخاصة بهم.
نأتي أخيرا إلى أهم عنصر من عناصر تنمية الموارد البشرية وتمكينها، وهو توفير بيئة عمل تحقق إنتاجية وإنجازا فوق العادي، إذ تتضمن هذه البيئة مجموعة من العناصر التي تؤثر وتتأثر ببعضها، منها على سبيل المثال "الهيكل التنظيمي المدمج، والمستويات الإدارية القليلة، وتفويض الصلاحيات، والانضباط دون ضغط، والثقة بين الرؤساء والمرؤوسين"، وما نشاهده على أرض الواقع هو تضخم هيكلي وكثرة المستويات الإدارية "نائب، نائب مساعد، وكيل، وكيل مساعد، مدير عام، مساعد المدير العام، مدير إدارة، مشرف إدارة، وأخيرا موظفون تنفيذيون"، إضافة إلى طول الإجراءات البيروقراطية والتركيز على التفاصيل، وانعدام الثقة بين الموظفين.
قد يتساءل البعض ويقول: "أنظمة الخدمة المدنية ولوائحها قد حددت الاختصاصات والصلاحيات والمسؤوليات، وشروط التوظيف، كما حددت حقوق وواجبات الموظفين، وكيفية تقييم الأداء الوظيفي على أسس موضوعية، إضافة إلى زيادة البرامج التدريبية، وتوفير الإمكانات والحوافز للالتحاق بها، كما تم تعديل بعض الأنظمة لتبسيط الإجراءات والحد من الروتين، خلال استخدام تقنية المعلومات.. فأين يكمن الخلل؟".
للأسف، ظلت هذه المحاولات مجرد حبر على ورق وبصورة نظرية تاهت في زخم الواقع الإداري المسخ، والأمر يتطلب وجود قيادات إدارية تتوافر فيها قدرات عالية يتم إكسابها المعرفة والمهارات المطلوبة، وإفساح المجال أمامها للقيام بدورها الريادي المطلوب، بحيث تلعب دورا بارزا في عملية الإصلاح الإداري وتحقيق أهداف خطط التنمية، وهذا الأمر ليس مستحيلا إن توافرت الرغبة الصادقة والإرادة الجادة لتغيير الواقع الإداري وتصحيح مسار الإدارة الحكومية، وهذا هو المنتظر والمأمول من برنامج تنمية الموارد البشرية بإذن الله تعالى.