كل البرامج التلفزيونية، والتحقيقات الصحفية المهتمة بمشاكل الناس، سواء مع الأنظمة المعمول بها، أو الأنظمة التي من المفروض وجودها، أو الأخطاء والقصور، كلها برامج وتحقيقات رائعة ومهمة وجديرة بالتقدير والاحترام، لكن معظمها لا يؤدي إلى نتيجة، أو أن المشاهد والقارئ لا يعرف لها نتيجة، وليس لها متابعة بعد طرحها، إلا نادراً، سوى برنامج تلفزيوني واحد حتى الآن هو برنامج "بدون شك" على قناة mbc مساء كل خميس، فهذا البرنامج يطرح المشكلة، وحلها، ثم يحلها فعلاً، وعلناً.
الزميل د. محمد الحارثي لا أعرفه شخصياً، وليست بيني وبينه أي علاقة، وللحق حضوره التلفزيوني -كمذيع- متواضع، وأظنه يحتاج لتدريب وتأهيل، وأقول هذا بعد أن تابعت -شخصياً- أكثر من 10 حلقات لبرنامجه، لكن وللحق فإن ما يغطي كل هذه المآخذ عليه، هو البرنامج الرائع المتكامل الذي يقدمه، فهو فعلاًً "بدون شك" يقدم الحل، ويتابع تنفيذه مع المستفيد "المتضرر سابقاً" حتى النهاية.
ولهذا فأنا أهنئ الزميل الحارثي وأقول له، استمر، فبرنامجك يشاهده الملايين -قطعاً- وهم -كما أظن- جميعاً، يبهرهم أن تطرح مشكلة معقدة ثم تصر على حلها "عملياً"، وليس كلاماً كما يحدث الآن في معظم البرامج التلفزيونية والتحقيقات الصحفية، وهي جميعاً جيدة ومتكاملة -مهنياً- ونادرة، لكن ومع تكاملها، فلا توجد متابعة، وبالتالي: لا نتيجة يعرفها القارئ أو المشاهد.
برنامج "بدون شك" يشخص المشكلة مع ضيوفها، ثم بجَلَد لا يعرف الملل، ولا اليأس، ينطلق مراسلوه، ومعده، ومقدمه، بحثاً عن حل المشكلة التي عرضوها، وغالباً ما يتم الحل ويعلن في معظم القضايا التي وصلت إلى البرنامج.
ولا أريد هنا أن أضرب أمثلة، فهو برنامج تنتجه "mbc" نفسها، ويمكن الرجوع إلى موقعها على الإنترنت، ومشاهدة كل حلقات البرنامج ببساطة ويسر.
وبطبيعة الحال، هناك تطور وتقدم وتغيير عالمي في مهنة "الإعلام" يعرفه كل من يقرأ تطوراته ويتابع تحولاته، وبرنامج "بدون شك" لا شك أحد أهم أبرز تطورات الإعلام، وقفزاته الحديثة، إذ في الإعلام الحديث لا يطرح الإعلامي المشكلة! وإنما لا بد أن يتقصى ويبحث عن حل هذه المشكلة، أياً كانت، "سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية"، بل ويتابع النتائج، المتحققة على الأرض، فالتحقيقات "الاستقصائية" اليوم هي قائدة وسيدة العمل المهني، أيّاً كان "تلفزيونياً، أو صحفياً ورقياً أو إلكترونياً، أو إذاعياً"، وأي وسيلة تعتمد هذه المهنية وتلاحق تطوراتها، فإنها لن تموت عند متابعيها، والضعف الذي نراه في كثير من وسائل الإعلام وخاصة الصحف الورقية، والقنوات، ليس بسبب أنها ورقية أو أي سبب آخر، والدليل أن هناك صحفاً إلكترونية، وقنوات تبث على الإنترنت، لكن لا أحد يتابعها، أو أن منسوبيها هم من يتابعها فقط، ولو كان السبب هو ثورة الإنترنت، لانتقل متابعوها معها إليه، ووسائل الإعلام كلها يمكن أن تمرض أو تهزل، لكن متى ما جاء من ينفخ فيها روح "المهنية" فإنها تنتعش من جديد.
هناك إضاءات مهمة في إعلامنا السعودي، سواء المحلي، أو المحسوب على السعودية -وهو كذلك- وسأضرب أمثلة حية أتابعها يومياً، ففي القنوات "العربية، وmbc، وروتانا خليجية، والإخبارية"، ومن الصحف المهنية، "الوطن، والحياة، ومكة"، وخاصة "الوطن" فهي تتطور مهنياً يومياً منذ فترة، وليست كاملة حتى الآن والكمال صعب، لكنها تسعى كما هو واضح نحو الأفق المهني المميز، وأرجو من الجميع مسؤولين ومثقفين ومجتمعاً، دعمها ومتابعتها، والثناء عليها، فهي تستحق فعلاً، وواعية لما تقول وماذا تقول، ومن يقرؤها في نسختها الورقية أو الإلكترونية سيلحظ قفزات هذه الصحيفة، وسعيها الحثيث إلى استعادة مجدها إباَّن صدورها، وقد قلت لرئيس تحريرها -وهو يعرفني فلا أجامل مطلقاً وأستطيع أن أصمت على الأقل إذا لم أجد فرصة للنقد- قلت له: مهنية "الوطن" وتطورها الملحوظ، وبهدوء، يحملك والزملاء مسؤولية أكبر، وتاريخ هذه الصحيفة -يا عثمان- لن يرحمكم أنت وبقية الزملاء العاملين فيها والمسؤولين عنها إن مرضت مرة أخرى.