الدولة لكل المواطنين مهما اختلفت توجهاتهم الفكرية أو وجهات النظر الفقهية التي يتبعونها في سلوكهم الاجتماعي، وهي مارست ذلك مبكرا حين فتحت مدارس البنات رغم المعارضة الشديدة، أي أنها فعلت ما عليها، فمن شاءت أن تتعلم فلتفعل ومن
رفضت فلتفعل. وفتحت وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وسمحت باقتناء وسائل البث الفضائي وواجهت في كل ذلك بعض معارضة باسم الدين مرة وباسم المجتمع مرة أخرى، وهكذا فالدولة للجميع بكل خياراتهم ما دامت لا تتعارض مع الدين في أفقه الواسع ومع
النظام. غير أن بعض الجهات الحكومية تقدم رؤيتها الخاصة بين يديّ الدولة التي لها رؤيتها الواضحة. مؤخرا سمحت الدولة للنساء بالترشح والانتخاب في انتخابات المجالس البلدية الحالية، ووضعت وزارة الشؤون البلدية والقروية لائحة جديدة تضمنت بعض
التعديلات من مسموحات وممنوعات. يقول الأستاذ جديع القحطاني رئيس اللجنة التنفيذية للانتخابات البلدية إن اللائحة حققت المساواة بين المترشحين والمترشحات، ومن مظاهر المساواة منع المترشحين والمترشحات من استخدام صورهم
الشخصية في دعاياتهم الانتخابية في الأماكن العامة ولوحات الإعلانات. في الدورتين الماضيتين كانت اللائحة تسمح للمترشحين بنشر صورهم الشخصية في التعريف بأنفسهم أثناء الحملة الانتخابية، لكن اللائحة منعت هذا الحق في اللائحة
الجديدة. فما السبب؟ يقول المهندس جديع القحطاني رئيس اللجنة التنفيذية للانتخابات، المتحدث الرسمي باسمها، إنه لا ضرورة للصور لشخصية وإن المهم هو البرامج وليس الصور، وهذا تبرير للمنع وليس سببا له، ويقول القحطاني ل"هافينغتون بوست
عربي" إن "منع الصور الشخصية جاء كأحد الضوابط الشرعية لمشاركة المرأة، وهي ليست ضرورية في الإجراءات؛ لذلك كان المنع شاملاً الجنسين". أي أن الضوابط الشرعية اقتضت ذلك في حق النساء وحتى تحصل المساواة تم
منع الرجال أيضا. نشر الصور الشخصية للمترشحين في الأماكن العامة حق أصيل لهم ومفردة من المفردات الرئيسية لثقافة الانتخابات، بل لا يمكن تصور الانتخابات بدون صور المترشحين.
الواقع أن اللائحة، في مسألة الصور، لم تحقق المساواة، بل حرمت شريحتين من هذا الحق، هما الرجال والنساء اللاتي يتبعن وجهة النظر الفقهية التي ترى كشف الوجه، ولم تستفد من هذه "المساواة" إلا شريحةواحدة هن النساء المترشحات اللاتي يتبعن
وجهة النظر الفقهية التي ترى تغطية الوجه. لا يوجد أي سبب آخر لهذا المنع إلا وجه المرأة. وكان المتوقع من لجنة الانتخابات أن تضع خيار نشر الصورة الشخصية، أو عدم نشرها، بيد المرشحين والمترشحات،
فذلك أقرب للعدالة والمساواة. إن التحجج بالضوابط الشرعية ليس له مبرر إطلاقا ما دامت خيارات النساء بشأن كشف أو تغطية وجوههن ضمن "الضوابط الشرعية". لا شك أن لجنة الانتخابات ستسمح مستقبلا بالصور الشخصية في الانتخابات
للرجال والنساء، لكننا كنا نأمل ألا تقوم بمنع هذا الحق في هذه الدورة، وكنا نأمل أن تحظى مشاركة المرأة في الانتخابات بتسهيلات أكثر، نظرا للظروف المحيطة بإمكاناتها مقارنة بالرجل سواء في قدرتها على التواصل مع الناخبين والناخبات أو في
بيئتها الاجتماعية الأقل حرية وحركة من الرجل. الانتخابات البلدية تحدث مرة كل أربع سنوات والمفروض أن نبذل كل الجهد الصادق في السعي بها إلى الاكتمال مع كل تعديل جديد، وألا ننتظر أربع سنوات لنصحح وضعا كان يمكن تصحيحه قبل
أربع أو عشر سنوات. فمتى ستبلغ ثقافتنا الانتخابية سن الرشد إذا كنا سنزحف بها هكذا بالتقسيط حتى يموت الحماس والثقة.