بعد الحرب العالمية الثانية، أي في عام 1945 أصدر الباحث تقريرا Gruenberg جونبيرج عن دراسة مفادها أنها قامت على  تحديد تراجع موضوعات المحتوى الديني وازدياد محتوى الموضوعات العلمية في دوريات الولايات المتحدة الأميركية. خلال العقود الأولى من القرن العشرين، ارتفع تداول الدوريات من 5 ملايين إلى 33 مليونا،  وجد معه توسع وانتشار 6 مجلات علمية حتى صارت في متناول عدد  يتراوح من 75000 إلى 1.2 مليون  قارئ في الولايات المتحدة الأميركية وحدها. وبالنسبة لحصة الدوريات العلمية فقد وجد الباحث جونبيرج  أنها ارتفعت في الولايات المتحدة % لوحدها على سبيل المثال من 1  عام 1900 إلى أكثر من 4 % في منتصف 1920 . وفي الوقت نفسه، فإن حصة الدوريات البروتستانتية % الدينية انخفضت من نحو 4 إلى نحو 1 %. كانت هذه الدراسة البحثية للاطلاع على اهتمامات

الرأي العام نحو التوجه للعلم؛ نموذجا لعشرات الأبحاث العلمية  الباحثة في هذا الشأن في دول العالم الأول. فالتمدن العلمي بالضرورة في تلك الدول لا بد له ألا ينسجم

مع التأويلات الدينية المعزولة عن الحياة. لأن الدين الصحيح هو دين الحياة والعمل لأجل الدارين.  وكل تأويلات النصوص الدينية بعد الأنبياء ليست في النهاية إلا

اجتهادات خاصة بأصحابها الذين اجتهدوا وفقا لمعطيات معينة إلى تصديرها للمجتمع الذي يعيشون فيه ويرون صحة فقههم في حقبة  زمنية معينة قد لا تجدي في زمن

آخر.  من الملاحظ أنه تبدأ حالة اللاتواؤم بين العلم والنص الديني حينما تنال تلك الجهات من العلم في بعض الديانات، خصوصا في الأديان الثلاثة، فزمن العصور

المظلمة في أوروبا شهد إعدام كبار النخب من علماء الطبيعة وإهانتهم، كما لا تزال فئات من الطائفة اليهودية تتفق مع  بعض الفئات الحركية الأصولية المتطرفة في نظرتها العدائية للنهوض العلمي بوصف العلم بأنه "علماني". إلى نهاية العقد الماضي تقريبا، في الوضع المحلي على سبيل المثال، تنازع العلم الطبيعي والطبي كرّاته وفرّاته مع

ما تم تضخيمه من مواد اجتهادية متطرفة لبعض الأصوليين من المدارس الإسلامية المتطرفة، وذلك من خلال بعض الشخوص التي أوكلت لها مهام التعليم والهيمنة

على المنبر الثقافي الموجه للمجتمع، ففضلت العلوم الدينية المعاد  قولبتها ضمن أطر فكرية تتعارض مع النهضة العلمية بوصفها الممهدة لانزلاق المجتمع العلمي في

"العلمانية"، وسوقت تلك المواد الضخمة بمواضيعها ومحتواها أكثر من الحث على العلم البحت واللغة الإنجليزية. وتقلدت أغلبية المجتمع حتى اليوم سمة التمظهر الديني المصنف للإيمان بناء على المظهر واللغة حتى شاع الكسل والاتكالية والتجمد الصناعي والإنتاج البحثي الابتكاري المنافس للدول العظمى بلا مبرر.

في جدول المدرسة على مدى عقود نجد عدم توازن الحصص التعليمية بين العلم البحت ونظيره الفلسفي الديني والأدبي، فحصة واحدة من الرياضيات لا تتجاوز 45 دقيقة يلغي عبق أثر تنشيط معادلاتها وتفاضلها وتكاملها للعقل نزال بمعدل 5 أو 6 حصص متنوعة بين علوم الدين والأدب والنشاط، يضع فيها المعلم بصمته في رؤيته الخاصة التي يغذي بها الفكر الذي يناسبه. أتذكر أن أحد أسباب دخولي للعالم العلمي هي رغبتي في التشبب الذهني والمظهري الدائم، وذلك من خلال هروبي من فانتازيا الفكر

الأصولي الذي عانت منه معلمة التوحيد والفقه، والتي لم تلتزم بشرح النص الموجود في الكتاب إنما كانت تضيف إليه الكثير من التأويل الممنهج المتعارض مع

رغبتي في التشبب الفكري، من التغذية الرجعية عبر مكتسباتها الخاصة من مدرستها الثقافية "المتطرفة" التي عرفت بالمدرسة الإخوانية والسرورية لاحقا. وكنا

نسمع دوما آنذاك أن علوم الدنيا كالرياضيات والفيزياء والكيمياء لا تعدو إلا إضافة ذوقية للكاريزما الشخصية مستقبلا وأنه لا فائدة منها، بل هي عقوبة الكفار في

الدنيا ليشغلهم الله عن الآخرة بالتعمق فيها! زاد من اعتلال ذلك لواقع المرير لخريجات الجامعة من أقسام العلوم البحتة حيث لا تتوفر الوظائف الإبداعية، ولا توجد

مجالات بحثية تفتح أبوابها لجميع الخريجات، وتوافقت أيضا النظرة السلبية الاجتماعية لخريجات الطب والعلوم الصحية كونهن سينتقلن من مجتمع "الحشمة"

الأنثوي الخالص إلى مجتمع "الاختلاط"، وكذلك بقية أقسام  علوم الحياة كالحاسب والهندسة الوراثية وغيرها. لم أجد وأنا أقرأ كتاب الأصولية:

اليهود في إسرائيل للمؤلف إبراهيم غرايبه، أن هنالك عدم اتفاق بين بعض سمات فئة يهود الحريديم وفئة الأصوليين المتطرفين في كلا كراهية الفئتين للعلم والحضارة

المدنية، قد تكون أغلب نقاط التشابه بين الطائفتين في: -التمسك بالموروث الديني التأويلي المتسق مع رؤيتهم الشخصية في التعاطي مع الحياة

بما لا يقبل النقد أو التطوير أو حتى الرجوع إلى النص الأصلي الديني ومحاولة إيجاد تفسير له يجعله يقبل على الحياة والبذل فيها.

- كلا الطائفتين تتحفظان على العلوم التطبيقية والعلوم الطبية وترى أنها علم "علماني" وتسعى إلى التعامل مع التقدم التكنولوجي بتحفظ، ولا ترى بضرورة تعلم

الطب أو الانخراط في المجال العلمي إلا للحاجة وكسب الرزق فقط. - يفضلون عدم الخدمة في الجيش أو الدفاع عن الأوطان مع صراعهم المستميت للحصول

على الهيمنة والمناصب القيادية الرفيعة، وتركيزهم على التمكن من الوصول لمفاصل التعليم لاعتقادهم أن التعليم هو النافذة الأنسب والأصح لنشر سياساتهم

وثقافاتهم.