د. أحمد الرضيمان


الموفق من جعل مجالسه، مجالس خير ورشد، ينصرف الناس منها، وقد استفادوا إما فوائد شرعية، أو معلومات دنيوية، تعود عليهم في دينهم ووطنهم بالخير، وحسن العاقبة.

وهذا ما رأيته في إثنينية أمير القصيم، الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز، وفقه الله، في جلستين قدر الله أن أحضرهما، وأشارك في إحداهما.

تبدأ الجلسة أولا بتلاوة آيات من كتاب الله، يستمع إليها الجميع، بإنصات، وتدبر، وتعظيم لكلام الله، مما يعطي الجلسة التي تعقد في قصر التوحيد الواسع جدا، والممتلئ بشرائح المجتمع المختلفة، جوا من السكينة والراحة.

ثم تتاح الفرصة للمشارك أو للجهة الحكومية أن تقدم تقريرا مرئيا بالأرقام والإحصاءات، عبر وسائل العرض وشاشاته المتوفرة في المجلس، عن إنجازاتها لخدمة المواطن، ثم تتاح الفرصة لمن شاء أن يسأل، أو يداخل، أو يقترح.

فتتم المداخلات والأسئلة بأدب جم، وإشادة بالإنجازات، واستنهاض للهمم لبذل المزيد، وأمير المنطقة يدير الحوار باحترافية عالية، واحترام للجميع.

وبعد انتهاء العرض، يتساءل كثير من الحضور فيما بينهم، قائلين: ما كنا نعلم عن هذه الجهود التي تقوم بها تلك الجهة.

أذكر أني حضرت عرضا رائعا للشؤون الاجتماعية، ظهر من خلاله بالأرقام المستفيدون من الأسر والأفراد وذوي الظروف الخاصة، وبالتالي الأثر الإيجابي لحل تلك المشكلات، على أمن الوطن واستقراره، وما تقدمه الدولة من عناية ورعاية، كان له أعظم الأثر في محبة الدولة، والتلاحم بين الراعي والرعية، مما يسر أهل الإيمان، ويفوت الفرصة على دعاة الفتن، وأعداء الإسلام.

وفي لفتة حكيمة وصادقة من أمير القصيم، قال سموه للحضور: هذه الإنجازات التي قدمتها الدولة للمواطنين، لا تمنّ بها عليهم، فهي حق لهم، والشعب هو أعز ما تملكه الدولة، ولا تستكثر عليه شيئا، لكن عرض ذلك لكم، واطلاعكم عليه، ومناقشته من قبلكم، يفوت الفرصة على كل من يستغل عدم ظهور هذه الجهود، وعدم علم بعض الناس بها، للمزايدة على ما تقدمه الدولة لمواطنيها، كما أن اطلاعكم عليه أيضا يكون سببا للتطوير، والاستفادة من الجميع، ببذل ما لديهم من أفكار بناءة، واقتراحات جيدة، يستفيد منها المسؤولون، وتنعكس إيجابا على جودة الخدمة المقدمة للمواطن.

هذا الوضوح، وهذه العناية، والاهتمام بالمواطن، وهذا النصح، أشاع جوا من المحبة والخيرية والدعاء الصادق.

وفي الحديث الصحيح أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم).

ولا ريب أن هذه المجالس المفتوحة التي ينصرف إليها الناس، وهم يعرفون الموضوع الذي سيعرض، ويتم الحوار حوله، تُعمّق الصلة بين المواطن والمسؤول، وتشعر الجميع أنهم شركاء متعاونون، وتثري معلومات الجميع، لا سيما إذا كان الهدف هو تحقيق الصالح العام، وكان التحفيز والتشجيع وحسن الظن هو الأصل كما رأيت ذلك واقعا مشاهدا في جلسة قصر التوحيد لدى أمير القصيم.

ويخطئ من يظن أن أعراض المسؤولين في أي جهة حكومية أو خاصة، كلأً مباحا، لكل من أراد أن يسلقهم بألسنة حداد، أو يسيء الأدب إليهم، بدعوى الإصلاح، ومكافحة الفساد، ونحو ذلك من الدعاوى.

فالإصلاح مطلوب، وهو منهج شرعي، لكنه يتم بالكلمة الطيبة، والاقتراح البناء.

ومكافحة الفساد واجب شرعي ووطني، لكنه يتم بتقديم الأدلة إلى جهات الاختصاص التي تنظر وتحكم، وربما يكون المتهم لغيره، بعد دراسة الأدلة، هو المزاول للفساد، بتجنيه وفظاظته وإشغاله المسؤولين عن أعمالهم.

فالواجب التعاون مع المسؤولين، ليقوموا بواجبهم على أكمل وجه، دون صخب أو ضجيج.

والمسؤول عندما يرى أعيان البلد وعلماءه وفضلاءه، يعينونه، ويشجعونه، ويساعدونه، في حل ما يعترضه من مشكلات، فإنه يبذل الغالي والنفيس، للتميز في عمله، ذلك أن التعاون هو أساس النجاح، وربنا تعالى يقول: "وتعاونُوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونُوا على الإثم والعُدوان"، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (كان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).

والرفق خير كله، والله تعالى يعطي على الرفق، ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).

ما تقدم كانت خواطر تدور بداخلي وأنا في إثنينية أمير القصيم، وفقه الله، وهو -حفظه الله- وسائر أمراء المناطق -وفقهم الله- يبذلون جهودا في خدمة المواطن، تحقيقا لتوجيهات إمام المسلمين، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله.

فالحمد لله على ذلك، ونسأل الله أن يديم التآلف والمحبة بين الراعي والرعية، وأن يوزعنا شكر نعمته علينا، وأن يديم على بلادنا نعمة الإيمان، التي من نتائجها وثمراتها نعمة الأمن والهداية، إذ الأمن والإيمان متلازمان، قال الله تعالى: (الّذين آمنُوا ولم يلبسُوا إيمانهُم بظُلمٍ أُولئك لهُمُ الأمنُ وهُم مُهتدُون).

وشكرا أمير القصيم، ويستحق ما يبذله الناس له من محبة ودعاء، ولا غرو في ذلك فقد عمل في مدرستين عظيمتين، مدرسة الأمير سلطان بن عبدالعزيز، رحمه الله، ومدرسة الأمير العبقري فيصل بن بندر، حفظه الله، وشكرا لأهل القصيم، ووفق الله الجميع لكل خير.