منذ الدورة الأولى لمجالس الانتخابات البلدية ظهر الجانب القبلي جليا في ترشح الكثير لأنفسهم أو ترشيح قبائلهم وعشائرهم بغض النظر عن مدى كفاءته في مثل هذه الأمور، وامتد هذا الجانب في الدورة الثانية وكذلك في الدورة الحالية، وإن كانت هذه الدورة تجعل من مزاحمة النساء للرجال أمرا يمكن له أن يعدل من كفة التركيز على المسألة القبلية، حيث تأتي المرأة السعودية بقوة كناخبة في هذا المجال؛ إلا أن حضور الجانب القبلي في المسألة يمكن أن يحد من طموحات النساء اللواتي يرغبن في خوض التجربة. أقول يمكن لأنه من الصعب التكهن بكيفية سير الانتخابات، لكن الجانب القبلي ما زال مقلقا، حيث يعتمد عليه كثير من الناخبين الأمر الذي يمكن أن يكون محدودا لدى الناخبات.

المجتمع السعودي ما زال مجتمعا تؤثر فيه القبلية والعشائرية في تسيير المجتمع، ولعل قصر التجربة المدنية تجعله ما زال مشدودا إلى بعض القيم القبلية أو البدوية أكثر من القيم المدنية، حيث تتداخل لديه الكثير من الرؤى التي تنتمي إلى الحالة البدوية والحالة المدنية، بحيث يأخذ جانبا من هذه وجانبا من هذه، ويذهب الباحث سعد الصويان في كتابه: (الصحراء العربية) إلى أبعد من ذلك، حيث يعتبر أن النموذج المحلي في ثنائية الحضارة والبداوة، في الجزيرة العربية، يقلص المسافة بينهما، وتخفّ حدة التضاد نوعا ما في علاقة الحضر والبدو، فهو يعتبر أن العلاقة بينهما وظيفية تقوم على تبادل المصالح، كما أنه يعتبر أن الحضارة والبداوة ليستا مرحلتين ثقافيتين متعاقبتين -كما عند ابن خلدون- بل متكاملتان ومترابطتان للتكيّف وفق ظروف الصحراء العربية وجفافها، فهما وجهان لعملة ثقافية واحدة. (ص: 345 وما بعدها)

وبصورة أعمّ يعتبر حليم بركات في كتابه: (المجتمع العربي في القرن العشرين) أن: "المجتمع العربي في مرحلته الانتقالية في القرن العشرين يشهد مزيدا من تداعي الحدود الفاصلة تقليديا بين البادية والقرية والمدينة، وهو ما تسبب إلى حد بعيد بحضرنة البادية والريف من ناحية، وبدونة المدن وريفنتها من ناحية أخرى" (ص: 178). وبهذا المعنى -الذي يذكره بركات- يصبح التداخل الثقافي كبيرا بين قيم الحضارة وقيم البداوة في المجتمع العربي، لا سيما المجتمع السعودي الذي يخوض غمار التجربة الانتخابية، وهي تجربة تنتمي إلى الحالة المدنية أكثر من الحالة البدوية، وإن رأى بعض الباحثين أن لها جذورا في استشارة شيخ القبلية واختياره عند المجتمعات العربية القديمة، أو عند بعض المجتمعات البدائية الأخرى.

هذه الحالة من تداخل القيم القبلية أو البدوية مع القيم المدنية وما تفرزه من حالات حداثية مادية في بعض أشكالها أكثر من كونها حداثة فكرية -كما حاولت أن أؤكده منذ سنوات- أقول: هذه الحالة من حضرنة البدو، وبدونة الحضر كما هو رأي بركات، تجعل المسألة الانتخابية تحت تأثيرات قبل مدينة يمكن أن تفسدها أو تجرها إلى مناطق أخرى، وهذا ما حصل في بعض أشكاله في الكويت، حيث طغى الجانب القبلي على انتخابات مجلس الأمة إضاءة إلى جانب دخول الإسلاميين في المسألة الانتخابية، وهذا موضوع آخر، والتخوف ليس من وصول أحد إلى المجالس الانتخابية لكفاءته حتى لو كان قبليا، بل التخوف هو في وصول من لا يستحق، وأن وصوله جاء بسبب الاعتماد على الكتلة القبلية، وهو أمر قد يعطل التنمية كما حصل في التجربة الكويتية.

يوضح لنا محمد الرميحي الأمر الحاصل في الحالة الكويتية في مقال قديم له، إذ نراه يقر بأن الممارسات الديموقراطية معطلة للتنمية لأسباب عديدة منها: أن الممارسات الديموقراطية زكت الولاءات الطائفية والعشائرية والمناطقية، كما غابت الكفاءات الوطنية في المناصب الحكومية، مما قلص من فرص التنمية لاقتصار الخدمات على الضمانات الولائية. (راجع: الديموقراطية ضد التنمية.. الكويت ودبي! الشرق الأوسط. 30 أكتوبر 2010 . العدد 11659).

التجربة في الكويت كانت تجربة فريدة في طول الخليج العربي، لكن حضور ما قبل الحالة المدينة قلص من فرادة التجربة وكثيرا ما رأينا بعض المشاهد على اليوتيوب كيفية التعامل مع المرشحين القبليين ودعمهم على حساب دعم المرشحين الأكفاء، إذ تظهر تلك المشاهد الحالة الكويتية بكل ردتها الثقافية وانشدادها إلى قبلنة الديموقراطية الكويتية، الأمر الذي أضر بتطور المجتمع الكويتي وعرقل كثيرا من أموره بالمقارنة مع دول خليجية أخرى، رغم عدم اعتمادها على الجانب الانتخابي أو الديموقراطي في تسيير حياتها كـ(دبي) مثلا، وهي إشكالية جدلية سبق الحديث حولها قبل أكثر من 3 سنوات.

الإشكالية التي تبرز في التفكير القبلي في الانتخابات هي في أن العديد من الأصوات سوف تذهب إلى غير الكفاءات الفكرية والإدارية، وهذا ما يضر بالتنمية والخدمات الاجتماعية لاقتصارها على فئات دون أخرى، فضلا عن عدم معرفة التفاصيل فيما يمكن أن يخدم الناس لعدم الكفاءة والاهتمام بالجزئيات على حساب العموم الاجتماعي للمنطقة ككل وللمجتمع بكل فئاته العمرية.