مهدلي عتين
الألعاب التي انتشرت أخيرا في المواقع وعلى شاشات التلفاز والمسماة بألعاب الخفة أو بالألعاب السحرية، تحتاج إلى نظر عميق وتأمل في أحوالها وأشكالها وفحص دقيق من هيئة كبار العلماء والمشايخ، وتحتاج إلى بحث موسع وتكييف أنواعها لتتم دراسة كل نوع ومعرفة الأدلة وتنزيلها عليها بشكل مفصل، ذلك لأنه تنوعت أشكالها وأسبابها وطرقها.
وأقول في هذه الإجابة: هذه الألعاب منها ما هو من قبيل السحر التخييلي، حيث يسحر الأبصار فيخيل للناظر شيء على خلاف حقيقته، وفي الواقع وهذا كحال سحرة فرعون قال تعالى (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)، وهو كثير في مثل هذه الأنواع من الألعاب، فيخيل للرائي أن هذا اللاعب يطير في الهواء أو يجر أثقالا كبيرة وهو في الحقيقة خلاف ذلك وإنما هو سحر للأبصار، ولا شك حينئذ في حرمة هذا العمل ومشاهدته.
والسحر أنواع كثيرة ذكر الرازي عددا منها في تفسيره، وذكر أشياء تدخل في المعنى العام للسحر وهو الخفاء والاستتار والمشهور عند أهل العلم، باعتباره أنه قسمان الأول: سحر حقيقي وهو ما يؤثر في بدن المسحور فيقتله أو يمرضه أو يفرق بينه وبين زوجه أو ولده ويكون غالبا بالتعامل مع الشياطين، والثاني: سحر التخييل وهو ما لا يؤثر في بدن المسحور حقيقة وإنما يؤثر على بعض حواسه كالبصر، فيتخيل المسحور أن العصي والحبال مثلاً حيات تسعى، وأن الحجارة مثلاً سباع تتحرك وهكذا. وينقسم باعتبار حكمه إلى قسمين. القسم الأول: ما يكون كفرا بالله، وهذا هو عامة السحر وعليه تنزل النصوص الواردة في تكفير الساحر، وأقوال الأئمة والعلماء ظاهرة في إطلاق هذا الحكم على هذا النوع، وعند النظر نجد أن منوط الحكم بالكفر يدور على أمرين الأول: أن يتقرب الساحر إلى الشياطين بنذر أو ذبح أو صدقة أو غير ذلك، أو يتقرب إليهم في معصية الله وترك الواجبات الشرعية أو يتقرب إلى الكواكب أو غيرها وهذا الفعل كله كفر بالله بإجماع المسلمين، لأنه صرف وتوجه بالعبادة لغير الله، وحينئذ فالشياطين يخدمون هذا الساحر ويتشكلون له بأشكال متنوعة وتارة يتصورون بأشكال حيوانات سريعة الحركة والانتقال، فيظهر الساحر نفسه بالقدرة على أنواع من الألعاب جنسها ليس بمقدور البشر أصلاً، فيوهم الناس بقدرته وسرعته وتحمله وعدم تأثره مثلا بالضرب أو الطعن أو البقاء في النار، فيضل الناس ويكسب من وراء ذلك أموالاً طائلة، بل يتسابق الجهلة أو المتواطئون معه لاستضافته.
المنوط الثاني: أن يدّعي شيئا من علم الغيب الحقيقي الذي استأثر الله به، ومن ادعى علم الغيب فقد نازع الله في ربوبيته ولا شك في كفره حينئذ قال تعالى (قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). فإن وجدا جميعا أو أحدهما حكم على السحر والساحر بالكفر. القسم الثاني: ما خلا من هذين الأمرين وما في حكمها وكان سحره مثلا بأدوية وتدخين وسقي شيء ونحوه فهذا محرم وكبيرة من كبائر الذنوب ووسيلة إلى الأول، لكنه لا يوجب كفراً يخرج من الملة، ويصح إطلاق لفظ الكفر أو الشرك عليه والمراد به الكفر والشرك الأصغر، لأنه وسيلة إلى الأكبر لعموم النصوص الواردة في تسميته كفراً كآية البقرة (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)، وحديث (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك...) الحديث رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه ابن مفلح، وهذا القسم يكون كفرا أكبر إذا اعتقد المرء إباحته وحله.
ومن هذه الألعاب ما هو من باب الحيل كمن يدهن جسمه وأعضاءه بمواد دهنية تقيه من النار، ومن هذه الأعمال ما يوهم الناس بأنه خرق للأسباب كمن يطأ الجمر بقدميه، بل ويمشي عليه أو يضع السيف الحاد على رقبته مع طرقه بمطرقة، أو ثني الحديد الصلب بعينيه، فذلك مما يحدث ارتباكا للناس وتشويشا عليهم لأن من حكمة الله في خلقه أنه ربط الأسباب بالمسببات، فجعل لكل شيء سببا، وإذا فعلنا ما يضاد ناموس السببية بوجود شيء بلا سبب أو وجود السبب المقتضي وتخلف نتيجته أو جود أنه أقوى من سببه نكون بذلك هدمنا قاعدة كونية ثابتة مستقرة في العقول والفطر وسارية في الكائنات، وهي قاعدة ارتباط الأسباب بالمسببات والنتائج بالمقدمات، وإذا كان من المتفق عليه أن طبائع الأشياء المستقرة: جارية على كل مخلوق لديه قابلية للتأثر بها، فالنار مثلا من طبيعتها الإحراق. فنقول لا يمكن أن يخرج عن هذا الناموس الخِلقي أيُّ إنسان فيستحيل أن يتعرض بدن للنار التي من طبيعتها الإحراق ثم لا يتأثر بذلك، وإن وقع فهو لا يخرج عن إحدى حالتين: إما أن البدن قد دهن بمادة واقية كما سبق ذكره في قصة شيخ الإسلام مع الصوفية، أو أن ذلك سحر تخييل: بأنه مثلا دخل قريبا من النار أو خُيّل للبصر أنها نار وليست كذلك على الحقيقة، كما أن الماء من طبيعته ترطيب البدن فيستحيل -وجوداً- أن ينغمس أحد في الماء أو يسكب عليه ثم لا تبتلّ أعضاؤه إلا بوجود مانع على الجلد، فهذا كالأول تماماً وهكذا، وهذا له ارتباط بالأول، وقد كان الصوفية يفعلونه ويدعون من وراء هذا العمل الولاية والكرامة، وقد كشفهم شيخ الإسلام -رحمه الله- في قصته مع الصوفية حين أوهموا العامة بقدرتهم على دخول النار، فتحداهم شيخ الإسلام بأن يدخل هو وكبير مشايخهم النار، لكن بشرط أن يغتسلوا جميعا بالخل والماء الحار، فسأله الأمراء والناس عن ذلك فقال: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من دهن الضفادع وقشر النارنج وحجر الطلق، فضج الناس وامتنع كبيرهم وذلّ وتغيّر واصفرّ وجهه. والقصة في مجموع الفتاوى 11/459، 460، 465، وحين نقل ابن كثير عن الرازي: النوع السادس من أنواع السحر وهو: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات عقبه ابن كثير بقوله: (قلت: يدخل في هذا القبيـل كـثير ممن يَدّعي الفقر ويتخيل على جهلة الناس بهذه الخـواص، مدعيًا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات).