من المعتاد أن نقع على تناقضات في أمثالنا التي نستعملها في حياتنا اليومية، رغم أننا ننظر أحيانا إلى تلك الأمثال بمستوى متكافئ من الاحترام والاعتبار. فنستدعي في أحد المواقف مثلا يقول (اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)، ونستدعي في موقف آخر مثلا يقول (القرش الأبيض لليوم الأسود). كثيرا ما نكون واعين بهذا التضارب بين الأمثال ولكننا نحيل ذلك عادة إلى اختلاف مواقف الاستشهاد ومناسبات الاستعمال وظروفه الثقافية والنفسية. نحن ننفعل مع الظرف فنستدعي تبعا لذلك ما نتمثله من شعارات نظرية نبرر بها ما نندفع إليه، هذا جزء من طبيعتنا.

لعلنا عند استيعاب هذا الأمر نفهم كيف أن عقيدة واحدة من الممكن قراءتها من وجهين فيمدنا كل وجه منهما بمسوغ يتضاد مع المسوغ الذي يمدنا به الوجه الآخر للمعتقد ذاته، ومن أبرز الأمثلة على ذلك (الاعتقاد بالقضاء والقدر) حيث نجد من يرى فيه محفزا للجسارة في الحين الذي يرى فيه غيره مدعاة للتواكل والاستسلام. ما يدل على صعوبة التخلص من أثر ما نمارسه من إسقاط لذواتنا وانفعالاتها عليها.

هناك عبارة لسبينوزا يقول فيها: (عندما يتحدث بولس عن بطرس فإن ذلك يخبرك عن بولس أكثر مما يخبرك عن بطرس)، وهو قولُ نرى معناه في كل ما حولنا من خطابات على اختلاف المشارب. فالإنسان في أحواله المعتادة يتعامل بانتقائية مع ما يستدعيه من النظريات والأفكار بنحو يتناسب مع احتياجه النفسي والمصلحي في ظرف معين، دون أن تكون تلك الانتقائية واعية أو مقصودة بالضرورة.

يكثر الحديث عند تحليل وضعنا الراهن لا سيما فيما يخص عنف بعض الجماعات الإسلامية المسلحة، أن يشار بالأصابع إلى ذلك التراث الذي يستدعيه المنظرون لتلك الجماعات، وتزداد الدعوات في كل مرة إلى تنقية التراث وتخليصه من الروافد التي يستمد منها المتطرفون نظرياتهم المشرعنة للعنف والإرهاب. ولا شك في أن لذلك بعض الوجاهة، إلا أنه غالباً ما يتجاهل الطرف الأهم من تلك الجدلية، وأعني به أثر الواقع الراهن على استدعاء التراث النظري، وهو لا يقل أهمية عن أثر ذلك التراث النظري على سير الواقع الراهن.

تراث عريض مثل تراثنا الإسلامي يعج بالكثير من القراءات والرؤى التي توالدت عبر قرون من التقلبات السياسية والمعرفية لا يعجز الناظر إليه بقراءة انتقائية عن استدعاء كل ما يسوغ به انفعاله مع ظرفه الوقتي، وليس ثمة فارق كبير يشكله وجود الوعي بتلك الانتقائية حينها.

وواقع بائس مثل الذي يشهده عالمنا الإسلامي الآن، يحفل بالكثير من المحبطين، والمغرقين بأسى المظلومية، والمتطلعين للانعتاق من ألم اللحظة بأي مسلك، سواء كان ذلك على مستوى المتألمين من ضيق حياتهم كأفراد، أو على مستوى المأزومين بأحوال انتماءاتهم ومجتمعاتهم، ليندفعوا جراء ذلك نحو ممارسة انتقائية عمياء بل وتحويرية أحيانا يستدعون بها المأثورات المتوائمة مع انفعالاتهم.

لعلنا على سبيل المثال نستطيع وفق هذه النظرة تفسير الحضور الكثيف لمأثورات ابن تيمية في تنظيرات تلك الجماعات، إذ لا يعبر ذلك لديها في أغلبه عن أهمية ابن تيمية كفقيه بقدر ما يعبر عن أهمية لحظة ابن تيمية التاريخية التي لم تكن الأمة فيها على درجة تفوق كثيرا لحظتنا الراهنة حصانة وعافية، بل كانت لحظة بائسة هي الأخرى كما يعرف المطلع على التاريخ.

يؤيد الاهتمام بهذه الزاوية من الطرح ما نعرفه عن تورط الكثير من الجيوش والميليشيات الغربية في الأعمال الإرهابية الشنيعة أثناء حروبها بشكل فاق أحياناً ما تفعله الجماعات المسلحة في منطقتنا، رغم كونها حديثة عهد بخطابات تنويرية تزعم التحيز للإنسان والإنسانية. درست مؤخراً بعض الخطابات النظرية التي كانت تنشر عن لتلك الأعمال واكتشفت أنها مارست الطريقة ذاتها في القراءة الانتقائية والتحويرية لخطاب التنوير الذي لم يُكفر به بشكل سافر من قبل المبررين لتلك الجرائم.

من المفهوم أن أدوات كل لعبة يفرضها الخصم الأقوى، في حين أن الخصم الأضعف سينصاع غالباً لاستعمال الأدوات ذاتها، وإن كان سيبحث عند استعماله لتلك الأدوات والأساليب عن تبريرها النظري من ثقافته ومرجعيته الخاصة، لذلك من الغفلة مد النظر إلى الأغطية المشرعنة، وصرفه عن الوقائع السياسية الخالقة للأحداث.

صحيح أن من المفترض ألا تقودنا المغالاة في هذا التنظير إلى تبرير العنف أو تبرئة التراث بشكل ساذج، ولكن من المهم أيضاً ألا نكون بتلك السذاجة التي تحمل عبارة تمثل بها شخصٌ أثناء انفعاله مسؤولية تورطه في سلوك دُفع إليه بشكل أعمى بسبب الموقف الذي وجد نفسه فيه وليس العبارة التي تمثل بها.