انقضت أيام العملية الانتخابية للمجالس البلدية في كل مناطق المملكة، وفاز من فاز بالمقاعد المتاحة، وخسر الترشيحات من خسر بشرف في المنافسة العادلة على مستوى التنظيم الحكومي، وغير العادلة عطفا على ضعف مستوى الوعي الشعبي بالمصلحة والشراكة الشعبية.
الدولة رفعت شعار (شارك في صنع القرار)، وهو شعار رائع ومغرٍ جداً يمنح المواطن فرصة جيدة لممارسة التجربة الديموقراطية، ليرفع من قيمة الإحساس بالمسؤولية الشخصية تجاه المكان والزمان والإنسان والوطن.
ومن موقعي كمشاهد لهذا الحراك تابعت العملية الانتخابية عن كثب جدا، عشت أجواءها الديموقراطية، وتفاصيلها الصغيرة كتجربة جديدة عليّ وعلى المجتمع السعودي بالكامل، وأدركت من خلالها أننا ما زلنا بحاجة إلى الوقت لتنضج التجربة، وتنضج معها بالتوازي قدرتنا على استيعاب الفعل والممارسة الديموقراطية ومستقبلها، وأيقنت أن المسألة تحتاج إلى وقت أكثر.
إذ مرة أخرى فعلت القبيلة فعلتها الطبيعية بالنسبة إلى عقلها الجمعي، وأعادتنا إلى نقطة البداية، وضربت بكل الإشارات والمكتسبات الإيجابية التي تحققت من خلال الدورتين السابقتين عرض الحائط بكل بساطة، ولو أتيحت لها فرصة أخرى لمارست الأمر نفسه بكل بساطة، وهو أمر محزن ومحبط أيضا.
في الواقع، وبالنسبة لي؛ لم يكن غريبا أن يحدث هذا، والغريب هو ألا يحدث أصلا، وإن كنت قد راهنت على نسبة طيبة من العقليات الشابة والمتعلمة التي ظننتها قد تحررت من أساور القبيلة، لكن صدمتي فيها كانت كبيرة حينما تكشف لي أن بعضها لم يكن أكثر من متعلم (يفك الخط) يقرأ ويكتب ولا يفكر..!!
وهذه فئة خادعة بمظهرها، بل وأشد خطرا من تلك التي تسير على سجيتها، إذ الأخيرة لا تحرض بقدر ما تتبع، بعكس الأولى التي تعي خطورة تجييش القبيلة في شأن عام يتطلب البحث عن الأفضلية وليس الأولية، ومع ذلك تُقدم على فعلتها.
لقد تماهيت وعشت العملية الانتخابية كما لم أتابعها أو أعيشها من قبل، وأيقنت أن عجلة التحول إلى المشاركة الشعبية تسير إلى الأمام بشكل جيد ومرضٍ على المستوى الحكومي من وجهة نظري على الأقل، ومخيب للآمال على مستوى وعي الشارع الذي يتابع يوميا تحولات العالم وتجاربه الانتخابية، وممارساته الديموقراطية المختلفة، ومع هذا نجده يعود إلى مربع القبيلة الأول والأكثر تشددا مع كل اختبار على هذا الصعيد!
ومع هكذا وضع أنا مع توجه الحكومة الذي يعطي الجرعات ولو كانت بالقطّارة، فالواضح أن هناك رؤية واضحة لإمكانات وقدرات الشارع على قبول التغيير ومسايرة المطروح.
لكنني بالمقابل لا أخفيكم سراً، أنني متفائل وأعول على شريحة كبيرة من هذا الجيل الشاب، الذي أُتيحت له المشاركة في هذه الدورة الثالثة المنقضية، وأراهن على أنه سينضج حتماً ذات يوم أراه قريباً، ليمارس العملية بشكل أكثر وعياً ومسؤولية، ويضع ثقته في الأشخاص الذين يستحقون الثقة، ويمنح صوته خارج سلطة القبيلة وأسوارها وأساورها.
وأن التحول الكبير للوعي بمفهوم العملية الانتخابية قادم في الطريق بعقلانية توازي التوجه الحكومي وسرعته، وإن شكونا من بطء سرعة مستويات الوعي العام بالمعنى الانتخابي والعملية الديموقراطية.