تتناول آن - كاترين واجنر وهي أستاذة جامعية في جامعة باريس، ومركز علم الاجتماع الأوروبي، التابع للمركز الأوروبي لعلم الاجتماع والعلوم السياسية، التفاوتات المدرسية والجامعية لتعلن من جديد حالة اللامساواة التي تسود العالم.

وتركز واجنر في بحثها "أشكال جديدة من القهر والسيطرة" الذي ينشره كتاب "عالم اللامساواة" الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي كترجمة لكتاب "أوضاع العالم 2016"، على أنه بدافع من اليونسكو التي تذود عن التربية بصفتها عامل تنمية، ثم بدافع من منظمات دولية أخرى، مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، أو البنك الدولي وسواهما من الهيئات التي تهتم منذ نهاية سنوات 1970 بالتربية، مفترضة أن البلد الذي يكون مواطنوه وسكانه ذوي تكوين جيد وإعداد حسن، يصير أقدر على التكيف مع تطورات السوق، فإن إنتاج المعطيات الدولية حول التربية تنامى، وبات يتوجه للبحث عن معايير للمقارنة ولجودة التعليم.

ولا يمكن قصر التفكير حول التفاوتات العالمية في ميدان التربية، على المقارنة الإجمالية الشاملة بين البلدان، بل لا بد كذلك من أخذ التفاوتات الداخلية داخل مختلف النظم التربوية الوطنية، تبعاً للوسط الاجتماعي للطلاب ولجنسهم ومكان سكناهم أو عرقهم وسلالتهم، بحيث إن هذه المشكلات، التي هي مشكلات مقارنة دولية، هي مشكلات تقنية ونظرية في آن معاً.


57 مليون طالب في سن الابتدائية خارج المدارس

الهدف الأول للإحصاءات الدولية هو قياس انتشار التربية وتعلم القراءة والكتابة وتوسعها، ففي عام 2000، حددت الأمم المتحدة في اجتماعها الذي عقد في داكار 6 أهدافٍ كبرى واجبة التحقق عام 2015، لتشجيع وصول أبناء المعمورة كافة بالتساوي إلى التربية والتعلم، غير أنه لم يتم بلوغ أي هدف منها أو تحقيقه كما يقول آخر تقرير لليونسكو.

والوصول إلى المدرسة أو الحصول عليها حقق تقدماً منذ عام 2000، فقد ازدادت نسبة الطلاب الذين يرتادون المدرسة من 84% إلى 89% في المستوى الابتدائي، ومن 59% إلى 73% في المستوى الثانوي، غير أن أكثر من 57 مليون طفل من البلدان السائرة في طريق النمو بعامة - وفي إفريقيا السوداء بخاصة، حيث كان نصيبها 30 مليون طفل من أصل المجموع المذكور - لم يكونوا في المدرسة الابتدائية عام 2011.

المعدل الصافي لارتياد المدرسة في هذه المنطقة هو 78% في المرحلة الابتدائية (النسبة العالمية هي 89%)، و41% في المرحلة الثانوية (النسبة العالمية هي 73%).

وتبدو التفاوتات أكثر تجلياً كلما ارتفعنا ونحن نتتبّع مستويات التعليم، فمعدل الوصول إلى التعليم العالي بلغ 7% في إفريقيا الواقعة جنوبي الصحراء، مقابل 76% في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية.

ولا ينبغي لهذه الانقسامات أو الانزياحات والتباعدات الكبرى أن تنسينا أن الفوارق داخل أوروبا هي فوارق كبيرة. فوفقاً لمعطيات أوروستات، فإنّ 7,1% من الأحداث خرجوا بصورة مبكرة من النظام المدرسي في السويد وهُم لا يحملون أي شهادة أو دبلوم، مقابل 23,6% في إسبانيا.

وإذا كانت معدلات ارتياد المدرسة تزداد بفعل الزيادة السكانية، فإن عدد المراهقين الذين يرتادون المدرسة ظل ثابتاً منذ عام 2007.

سياسات التعليم الكونيّة الجامعة المنبثقة من المؤتمرات الدولية الكبرى، كمؤتمر جومتيان في تايلاند عام 1990 وداكار 2000، تُظهِر حدود قدراتها، ففي إفريقيا الواقعة جنوبي الصحراء، ارتفعت أعداد الأميين ما بين عامي 1980 و2011 من 133,8 مليوناً إلى 182 مليوناً، كما زادت نسبتهم في الشريحة التي تتراوح أعمار أفرادها بين 15 و24 سنة.

وبخلاف ذلك، فإن ازدياد ارتياد المدارس في البلدان السائرة في طريق النمو، إنما كان بين صفوف الصبيان الحضر الذين ينتمون إلى الأوساط الميسورة، كما أن التفاوتات من حيث علاقتها بالوسط الاجتماعي وبالجنس تظل ثابتة، بل تفاقمت في بعض البلدان خلال العشرية الأخيرة، وهذا يفسر جزئياً بتنامي نفقات التربية على العائلات في البلدان الفقيرة، والتي تفوق نسبتها في البلدان الغنية بـ3 أضعاف. وكثيراتٌ من الدول المأزومة خفضت نفقاتها التربوية، كما أن المعونة الدولية للتربية هبطت منذ 2010.


250 مليون طالب في الابتدائية  لا يحسنون القراءة

تستقبل الصفوف في مالاوي ما متوسطه 130 تلميذاً في السنة الابتدائية الأولى، وهناك من بين 650 مليون طفل بلغوا سن ارتياد المدرسة الابتدائية في العالم، 250 مليوناً لا يملكون أسس القراءة والحساب، وهذا يطال 4% من الأطفال في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، وثلثي أطفال آسيا الجنوبية والغربية، وثلاثة أخماس أطفال إفريقيا السوداء.

وهذه المؤشّرات تزيد مفعول الوسط الأصلي الذي ينتمي إليه الطفل: فالفارق بين أطفال الأوساط الميسورة وذات الامتيازات والأطفال الفقراء، يكون أكثر وضوحاً ممّا لو اعتبرنا الوصول إلى التربية والمدرسة فحسب؛ وهو فارق يتأكّد ويزداد مع العمر.

ويقدر برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) منذ عام 2000 المؤهلات أو الكفاءات الضرورية لمجريات الحياة (معرفة القراءة والكتابة بالإنكليزية، أو بالفرنسية)، "الثقافة" الرياضية والعلمية وفهم المكتوب.

وفي حين ظلت اليونسكو ترفض، حتى عام 2003، نشر ترتيب البلدان، من باب احترام خصوصيات البنيات التربوية للدول، فإن المقارنة الدولية لمؤهلات الطلاب وكفاءاتهم تعممت اليوم، ووفقاً للبيانات فإن أفضل طلاب برنامج التقييم الدولي للطلبة هم من فنلندا التي احتلت هذه المرتبة عام 2009، وشانجهاي عام 2012، إلى الأخيرين المتأخرين في المرتبة مثل قيرغستان والبيرو.

والبلدان الصغيرة الآسيوية، وكذلك اليابان، تتصدر عمليات التصنيف، وتحتل رأس

القائمة، متقدمةً على ألمانيا (المرتبة الـ16)، وفرنسا (25) وأميركا (36)، ومرتبة البلد أو المدينة كما في حالة شانجهاي ترتبط ارتباطا وثيقا بالثراء الاقتصادي.



16 جامعة أميركية بين الـ20 الأفضل عالميا

وجود جامعات معترف لها بمهابتها الأكاديمية واجتذابها للعديد من الطلاب من البلدان الأخرى قديم قدم الجامعات نفسها.

وغلبة الولايات المتحدة وسيطرتها في هذا الحيز التنافسي واضحة وشديدة، وفقاً لتصنيف (المراتب الأكاديمية لجامعات العالم ARWU) الذي أنشئ عام 2003، ويُطلقُ عليه ترتيب «شانجهاي» لمراتب «أفضل» 500 جامعة عالمية، وقد لاقى منذ ذاك، نجاحاً صاعقاً.

وتحيل مؤشرات هذا التصنيف إلى جودة التعليم مقيساً بعدد حملة جوائز نوبل، والحاصلين على ميداليات فيلدز بين طلابه القدامى والباحثين الحاليين، وعدد الباحثين الذين يكثر الاستشهاد بهم، والنشر في مجلتين أميركيتين، والمقالات المفهرسة في قاعدتي معطيات، وفي عام 2014، كان هناك 16 جامعة أميركية بين الجامعات الـ20 الأولى في العالم، وكانت الجامعات الأربع الأول هي هارفارد، وستانفورد، ومعهد ماساتشوتس للتكنولوجيا MIT، وبركلي، وكانت اثنتان منها بريطانية (كامبريدج وحلت خامسة)، وأكسفورد وحلت تاسعة، فضلاً عن جامعة سويسرية هي كلية زيورخ للعلوم التقنية، واحتلت المرتبة الـ20.

ثم إن خارطة توزع أفضل 500 جامعة عالمية يؤكد المركز الغالب للولايات المتحدة لأن لها بينها 146 جامعة (تليها الصين مع 44 جامعة)، وألمانيا (39 جامعة)، وبريطانيا (38).

لكن هذا التصنيف فيه اعوجاج، فمعاييره تؤدي إلى تفضيل العلوم الدقيقة وجامعيي العالم الأنجلوفوني والجامعات التنخبية على جامعات «الجمهرة»، وتقديم البحث في الجامعة على حساب البحث الذي تقوم به هيئات أخرى مثل المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، غير أن تحسن منزلة الجامعات الوطنية في هذا التصنيف، أصبح هدفا واضحا صريحا لسياسات إصلاح التعليم العالي في عدد من البلدان، ومنها فرنسا.

والواقع هو أن ما يقرب من مجموع الطلاب (98%) لا يغادرون بلدهم من أجل الدرس.

والطلاب المتحركون أنفسهم نادراً ما يتوخون الجامعات الـ500 الأفضل، قبل أن يقرروا اختيارهم، ذلك أن هذا الخيار تمليه ضرورات مالية وثقافية وقربى جغرافية وتاريخية ولغوية.

كما تسعى البلدان الصناعية إلى تنخب الطلاب "الدوليين" من البلدان الغنية، وكبح تسجيل الطلاب "الأجانب" من أبناء المستعمرات القديمة أو من البلدان الفقيرة.

وهكذا، فإن 5 بلدان استقبلت عام 2012 قرابة نصف الطلاب الدوليين (أميركا 18%، بريطانيا 11%، فرنسا 7%، أستراليا 6%، ألمانيا 5%، والواصلون الجدد مثل الصين وماليزيا وجمهورية كوريا، وسنغافورة، ونيوزيلندا تستقبل 6%، ومصر والسعودية والإمارات 4%.