إن كثيراً من الدهماء الذين يهاجمون إيران الآن كانوا يدافعون عن ابنها البار حسن نصرالله في حرب 2006، وكنت قد نشرت مقالاً في تلك السنوات بعنوان (أنثى العنكبوت وراياتها الصفراء) وقد غضب من المقال من يدافعون عنه يوم ذاك ويهاجمون حزب الله الآن، والسبب أن الإخوان المسلمين تقاطعوا مع حسن نصرالله آنذاك لا حباً فيه بقدر ما يريدون إحراج الدولة أمام شعبها لإدخالها في مزايدة غير محسوبة لأجندة إيرانية انساق وراءها من يشتم إيران الآن، وقد تحمس كثير من الدهماء لما يقرره الإخوان من موقف (مع أو ضد) منذ ذلك الحين وحتى الآن، والعاقل يستوعب توجه كثير من العوام حسب بوصلة الإخوان لأنهم تشربوا مناهجهم الفكرية والتربوية لأكثر من ثلاثة عقود، ولهذا فلا يستطيع الاستقلال الفكري (الكامل) عنهم حتى في أوساط المثقفين إلا القلة النابهة المستقلة طبعا لا تطبعا، أما الاستقلال السلفي فهو عائد لمفاهيم عقائدية دوغمائية وليس عائد لوعي وطني يدرك الأبعاد السياسية الخاصة بالدولة القُطرية في القرن الحادي والعشرين، ولهذا فقد تجد بداخل السلفية حتى الآن من يسبق اسم بن لادن بلقب (الشيخ المجاهد).
إذاً فليس مطلوباً من الأقليات مثلاً أن يكونوا مشجباً لعُقَد الأغلبية النفسية في صراعاتها التي سببتها السلفية والإخوانية، ومشاكلها المتراكمة عبر السنين منذ (السبلة)، مروراً باحتلال الحرم لمدة أربعة عشر يوماً، وصولاً إلى حرب الأفغان وحتى الآن مما يطول الحديث عنه من أحداث، وليس مطلوباً من الأقلية (الشيعية مثلاً) أن تعلن براءتها من إيران، فليسوا بحاجة لها أصلاً، وإلا لطلبنا من غيرهم -وما أكثرهم- البراءة من تركيا ومرشد الإخوان في مصر، أما ولاية الفقيه التي يعلق عليها الكثير فهذا جهل بالتشيع وتفاصيله، فالشيرازيون ليس لهم علاقة بالخمينيين، ويبقى الخميني زعيماً روحياً عند من يتبعه، لا ننبش القلوب ولا تعنينا الخلاصات الروحية، ولكننا نقمع من يخل بأمننا الوطني، كما قمعنا في التسعينات من تشبه بالخميني عندنا من شيوخ الأغلبية -وأشرطتهم القديمة تشهد- ولهم أتباع مخلصون جداً حتى الآن، لكنهم عجزوا عن ثورتهم الخاصة التي حاولوها، وليبقوا على مراوغتهم وتقيتهم الحالية التي تجاوزت كل ما في التشيع من تقاليد التقية، التي يبررها عند الشيعة خوف التضييق وسط بيئة معبأة حتى ضد شعائرهم الخاصة التي لا تعني أحداً سواهم، بينما يبررها عند بعض شيوخ الأغلبية انتظار الفرصة لتكرار تجربة الخميني الذي يشتمونه مذهباً ويهيمون به طريقةً وأسلوباً، ومن يقرأ تجربة الخميني عبر شريط الكاسيت والمنبر داخل إيران وخارجها للوصول إلى الحكم يعرف من هو التلميذ النجيب للخميني على الحقيقة.
العقلاء لا يدافعون عن مذهب يعني غيرهم ولا يعنيهم، لكنهم قطعاً يدافعون عن حق كل أقلية، شافعية أو مالكية، أو صوفية أو شيعية أو بدوية أو حضرية، فهم شركاء لنا في هذا التراب الوطني، يستمدون حقهم من تراب أجدادهم كما هو تراب أجدادنا، وهكذا يفعل كل مواطن شريف يدرك حقوق الشراكة وواجباتها، ومن يستخدم الدهماء لانتهاك حقوق أحد، فمن حق أي أحد استخدام النظام لردعه (وفق النظام)، فمن واجبات النظام أن يكون فيصلاً عدلاً بين الناس، وليس فيصلاً بيد فئة على فئة.
هل ندافع عن إيران؟ سؤال لا يليق، بل نعمل عقولنا ما دمنا أصحاب قلم لا بندقية للبحث عن حلول دبلوماسية ومقترحات سياسية تساعد وطننا على تجنب الاستنزاف وويلات الحروب قدر الإمكان، أما رجال الحرب من أهلنا فلهم مقام لسنا أهلا للمزايدة عليه أو به أو فيه، لا نرفع لهم القبعات، بل نحمل لهم بدواخلنا مجداً خاصاً نورثه لأبنائنا وأحفادنا عمن يحمى الوطن بدمه.
وتبقى محاولات الهيمنة على الرأي العام الشعبي للضغط على القرار السياسي أو اختطافه باقية عند أولئك الذين يدقون إسفين العلاقة بين الرموز السياسية وشعبها عبر التلاعب حيناً بقضايا الوطن الداخلية والخارجية، لنجدهم خارجياً يقفون قبل سنوات مع حسن نصرالله نكالاً في الدولة ومشروعها العربي للسلام، والآن يقفون مع إردوغان وضد مواطنيهم الشيعة نكالاً في الدولة كحاضنة للعالم الإسلامي بمختلف طوائفه ومذاهبه لنكون الوحيدين الذين نعامل مختلف زوار الحرمين من إيران وغيرها لحج أو عمرة أو زيارة باعتبارهم (ضيوف الرحمن)، لأن قدرنا الجغرافي والتاريخي أكبر من محاولات اختزال الدولة العريقة ذات السمو الملكي في لعبة الأقزام الطائفية، وولاؤنا الدائم لهذا (السمو)، يجعلنا نسمو ونزهو بزعامةٍ إسلامية، بعيداً عن مناكفات العقائد ووحل المذاهب والطوائف، وما ذُكِر من ممارساتهم كان على مستوى السياسة الخارجية، أما على مستوى السياسة الداخلية فحدث ولا حرج، من محاولة الهيمنة على أبنائنا ومستقبلهم بالاعتراض على ابتعاثهم، مروراً بالمشاغبة على معرض كتاب أو أمسية شعرية، وصولاً إلى المطالبة بإقالة وزير فور تعيينه وقبل أن يباشر عمله، عبر لعبتهم الضبابية في تهمة (التغريب) التي يمكن إطلاقها خبط عشواء على كل من يشكل خطراً على توجهاتهم المستميتة في لي ذراع السياسة وفق ثقب الإبرة الذي ينظرون من خلاله للحياة. فانتهوا يا إخوان، وافهموا يا دهماء، والله المستعان على ما تصفون.