مساء الأربعاء الماضي لم يكن بهيجاً لي فقط، بل لزوار معرض الكتاب بجدة من الجنسين، طبعاً ليس كلهم، فالجميع لا شك مبتهج بالمعرض، وهو لا شك يستحق البهجة، وهو يشهد إقبالاً وازدحاماً منقطع النظير، لكن سبب بهجة الأكثرية أنهم شاهدوا وقابلوا، وتصوروا مع أعظم صحفي سعودي حتى الآن، ممن عرفتهم ومن وجهة نظري وتجربتي، اسمه "مصطفى عبدالعزيز إدريس".
عند الساعة السادسة كنت عند العمارة التي فيها شقته المتواضعة، وكانت زوجته العظيمة الدكتورة "نوره النهاري" تدفعه على عربته وهو في كامل بهائه وأناقته المعهودة عنه دائماً.
واسمحوا لي قبل أن أحدثكم عن "مصطفى" وعن رحلتنا إلى معرض الكتاب، وعن رحلته مع المرض وعن تنكر ونسيان وتجاهل الأقربين له، وقبل كثير من المشاهير الذين لولا "مصطفى" لكانوا حتى الآن من المغمورين، سواء في الصحافة أو الكتابة أو الإبداع، فـ"مصطفى" صحفي مهني، ومثقف ضخم، وناقد عظيم.
"نورة" أعظم امرأة عرفتها حتى الآن في ما قرأت وسمعت وعلمت من التاريخ البعيد والقريب، والمعاصر، فهي طبيبة وهي مثقفة، وهي قارئة نهمة وهي عاشقة حقيقية، وهي مضحية كأعظم ما تكون التضحية، من أجل "مصطفى"، فهي ليست أمّاً حتى الآن، على الرغم من طموحاتها في الأمومة كأي امرأة، لكن لأن "مصطفى" لا يريد، قالت: أمرك!
هذه المرأة العظيمة ضحت بدراساتها، وبعثتها، وأبحاثها وراتبها، ووظيفتها، من أجل أن تظل إلى جوار "مصطفى" ترعاه وتخدمه وترافقه منذ أن مرض قبل أكثر من 8 سنوات وحتى الآن، ومع أنني –وأنا أظنني من أقرب الناس للزوجين– لمتها وما زلت ألومها على "دلعها" لمصطفى، إلاّ أنها دائماً تقول لي: مصطفى العظيم يستاهل! تحية "للدكتورة العظيمة نورة".
حين وصولنا إلى المعرض، استقبلنا شباب من لجان التنظيم، وسلمونا إلى رجال الأمن الرائعين، الذين ساعدونا بحماس، حتى دخلنا –الثلاثة– وبالمناسبة نورة كاشفة عن وجهها وتتحدث معي، وتضحك من تنكيتي على مصطفى! تصدقون! وما أن بدأت الجولة حتى جاءت حشود الإعلاميين والإعلاميات من كل أرجاء المعرض يسلمون على "مصطفى" ويتصورون معه، ونالني نصيب من شهرته حيث أصر على الإمساك بعربته حتى أظهر في كل الصور.
اختار مصطفى عدداً من الكتب والروايات من دور نشر مختلفة، ولم أدفع ولم يدفع قرشاً واحداً لها، فكل أصحاب وباعة دور النشر التي انتقى منها، لم يقبلوا ريالاً واحداً ثمناً لما طلب، بل إن بعض أصحاب دور النشر هذه، كلموني طامعين في مجموعة مقالات مصطفى، أو مذكراته ليطبعوها ويسوقوها مجاناً، ولا أخفيكم أنني استغللت الفرصة فأخذت نسخاً مماثلة مما اختاره "مصطفى" بعد أن رفضوا الثمن، "فالبلاش" مغرٍ أليس كذلك؟!
"مصطفى إدريس" هو سر مجد "صحيفة عكاظ" الذي عاشته منذ عام 1985 حتى عام 2000، فهو العقل المفكر، والمنفذ، لها شكلاً ومضموناً، وهذه حقيقة موثقة وليست مجرد توقعات أو قراءات، فأنا ابن "عكاظ" وأحد تلاميذ "مصطفى" الكثر جداً من الجنسين "صحفيين وكتاباً وشعراء وروائيين" وغيرهم، بل ومسؤولين في الصحف "سابقين وحاليين"، حتى وإن تنكروا أو نسوا، ومعظمهم أو كلهم مع الأسف تنكر ونسي، حتى أولئك الذين "انسجن" مصطفى بسبب جرائمهم، وهو بريء لكنه "لبسها" طائعاً مختاراً، وهي جرائم جنائية ومرورية معروفة وموثقة، وأنا كنت أزوره في التوقيف والسجن أثناءها وألومه على ما يفعل –ويعترف به– وهو لا يطيق ولا يقبل مني أي كلام. أرجو ألاّ يغضب مني أستاذي الكبير الدكتور هاشم عبده هاشم وأنا أكشف "سر تفوق عكاظ" في عهد رئاسته الطويلة جداً لتحريرها، فهو –أقصد هاشم– أستاذ وصحفي كبير، وأنا أحبه حتى الآن، لكن لأنه كذلك، فقد استثمر "مصطفى إدريس" كأفضل ما يكون الاستثمار، فمصطفى إدريس، هو "مهندس" تفوق "عكاظ اليومية" ابتداءً من الترويسة أي من شكل "لوقو عكاظ"، وانتهاءً بأسلوب وعناوين ما تنشره الصحيفة، ومروراً بتوجيه وتأهيل المحررين والمحررات، بل المسؤولين في الصحيفة، وحتى بعض نوّاب رئيس التحرير، أمّا العدد الأسبوعي الذي أحدث ثورة حقيقية في الصحافة السعودية كلها، فـ"مصطفى إدريس" أبوه وأمه، ومفصل ملابسه، وصاحب العطر الذي تعطر به وكل فنجان قهوة تم صبه في حفلة الاحتفاء به، وهو احتفاء كان يتكرر أسبوعياً على مدار أكثر من 10 سنوات، إلى أن كتب "مصطفى" مقالاً يومياً بالنيابة عن أحد قيادات التحرير أثناء إجازته السنوية، ولقيت كتابة "مصطفى" احتفاءً وأصداء، لم ولن يحلم بها الكاتب الأساسي للزاوية لا هو ولا غيره حتى اليوم وحتى الغد، فتم إقصاء "مصطفى" عن "الأسبوعي" وعن كل شيء، كمكافأة لم يكن ليفعلها حتى "صدام" أيام عزه، كان على الأقل سيكلف "مصطفى" بكتابة رواية باسمه، ويكتفي! القصص المأساوية عن مصطفى إدريس وعبثيته، ووفائه لا تحصى، بل إن قصص إهدار مصطفى لنفسه وفكره ومهنته وحياته لا تحصى أيضاً، فهو عبثي بكل ما تعنيه العبثية، وهو نبيل بكل ما تعنيه أعظم معاني النبل، وأتحدى أي إنسان –حتى زوجته– أن يقول إن "مصطفى إدريس" شتم أو حتى اشتكى من تنكر أو إساءة أحد له مطلقاً، على الرغم من كل ما تعرض له من تنكر ونسيان وشتائم واتهامات، بل إن مصطفى الآن لا يعلم أين ومتى يصرف تقاعده "الضئيل" من مؤسسة التأمينات الاجتماعية، فصراف البنك عند أمّه، وهو يعيش مع المرأة العظيمة "د. نورة" ولا أحد من إخوانه يسأل عنه مجرد سؤال! وأتذكر أنني عندما اضطررت لإنهاء خدمته من صحيفة "الوطن" إبّان صدورها، أنه اختفى بضعة أشهر، وحين التقيته في جدة، أهداني رواية، ولم يعط فرصة لمناقشة الأمر، وهو بارع، في تحويل الحديث والنقاش، إلى ما يريحه، ولا يزعج غيره!
الآن أسأل "وزير الصحة"، إنسان كهذا أو أقل منه أو أكبر، أين يجد الرعاية الصحية، والعناية، فمنذ أن تعرض هذا المواطن المسمى "مصطفى إدريس" لحادث "دهس" –دشدش– عظامه، وأنا "أشتغل بالواسطات" لعلاجه، أمّا حين أصيب بالسرطان في "القولون" فلولا الأمير النبيل خالد الفيصل، لكان "قولون مصطفى" مشاركاً في أمسية شعرية في أحد الأندية الأدبية، يتلو قصائد فخر بقتل "مصطفى"!
"المستشفى التخصصي" ما قصر، والدكتور "قاسم القصبي" رجل رائع، بذل كل ما يستطيعه فعله، والدكتور "...." رائع أيضاً، وبذل كل ما يستطيعه فعله، ومثلهما الزميل والصديق "نجيب يماني"، و"التخصصي" بفرعيه في الرياض وجدة، بذلا ما يستطيعانه، لعلاجه "جراحة ورعاية"، لكن "مصطفى" يحتاج "علاجاً طبيعياً" ليتمكن مرة أخرى من الوقوف والمشي الطبيعي، وهذا غير متوافر في الداخل –إلاّ بتكاليف مرتفعة– وهي أغلى مما في الخارج، ولو تكرم وزير الصحة، وعامله كمواطن، ومن حقه أن يتعالج على حساب الدولة، وإرساله وزوجته معه –وهي طبيبة– إلى أميركا، لاختصر عليه وقت الشفاء، ولاختصر التكاليف، ولأعطاه تقديراً يليق به، على الرغم أن هذا حق لكل مواطن، سواء كان "مصطفى العظيم" أو "قينان الرويبضة!"، لكننا مضطرون إلى أن نقول للوزير -ومعاملة مصطفى في وزارته- "سو كذا وابشر بالإشادة والدعاء" وإنك من أهل الخير والثقة وتستحق تزكية الشيخ "أبو واو ضخمة، قريب انتهازي مستغل غير محتاج" جزاه الله خيراً.