حينما أُعلن مبكرا عن السماح للمرأة في وطني بالمشاركة في الانتخابات البلدية ناخبة ومرشحة في الدورة الثالثة من تجربة الانتخابات الحديثة بالمجمل في البلد؛ شعرت أنه من الواجب المدني والحضاري أن أخوض التجربة ولو بأقل احتمال، وأكتشف التجربة بنفسي بدلا من سماعها من أخريات أو التنظير حولها من بعد.
لم تكن الخسارة في نتيجة ترشيحي لنفسي مفاجأة أو صادمة لي لأسباب مختلفة، ولكن الخطوة التي قامت بها سيدات هذا البلد العظيم والنتائج والأسماء التي ظهرت في النهاية كانت هي انتصاري وفوزي الحقيقي، بدءا من عدد الناخبات اللاتي قيّدن أنفسهن في سجلات الناخبين في هذه الدورة، ثم عدد المرشحات في كل منطقة، وأخيرا عدد الفائزات في عملية الانتخاب. حتى أن الحديث عن هذه الدورة من الانتخابات البلدية يكاد يكون فقط عن النساء ومشاركتهن وانتصاراتهن، وأقول هنا إنها انتصار، لأن كسر المرأة حاجز المشاركة في حراك جديد على المجتمع يعد نجاحا ولو كانت النتيجة أن عدد الأصوات: صفر!
من واقع التجربة الشخصية لهذا الحدث التاريخي للنساء في هذا الوطن، فإن العملية الانتخابية، رغم سلاستها، إلا أنها كانت غامضة وغائبة عن طيف كبير من المجتمع.
وزارة الشؤون البلدية قامت بعملها المؤسسي من تصميم الموقع بشكل مميز وميسر لأي استفسار، إضافة إلى الإرشادات العامة التي تصل على هواتفنا أو نقرؤها في مختلف الوسائط مع التنظيم الدقيق لسير قيد الناخبين من الجنسين وعملية الاقتراع. ولكن الثقافة العامة والوعي بأهمية المشاركة في مثل هذا الحدث كان غائبا إلى حد ما، وإن تُحدث عنه حتى في بعض الأوساط التي يعتقد أنها مثقفة أو متعلمة ومتقدمة اجتماعيا، فإن الحديث يأتي باستخفاف واستهتار، خاصة حول جدوى عمل المجالس البلدية والإمكانات التي يستطيع أن يقوم بها عضو المجلس البلدي.
إضافة إلى هذا وجدت فكرة مشاركة المرأة ناخبةً ومرشحة ممانعة من بعض المتدينين، ومحاولات إسقاط فتاوى لا تجيز التصويت للمرأة، ولو إصدار بيانات تحمل قائمة تزكية ببعض الأسماء كما حدث في إحدى المناطق.
كما أن دخول المرأة في هذه المشاركة وجد اعتراضا اجتماعيا لأسباب قبلية لفئة ما زالت تخجل من ظهور أسماء نسائها، وظهر هذا في الفيديو الذي مزق فيه أحدهم لوحة دعائية لأحدى المرشحات، اعتراضا على ظهور اسمها القبلي.
هذه الملاحظات العامة التي واجهتها الانتخابات البلدية في دورتها الأخيرة، والتي انتهت قبل 10 أيام، تعد عثرة بالإمكان تجاوزها لو فهمنا السبب الذي يقود لتشكّلها وعملنا على حلّة وتفنيده.
ففي الاستهتار والاستخفاف بجدوى الانتخابات البلدية بالمجمل يعتقد من يقول هذا أن الانتماء إلى هذه المجالس أمر صوري لا يخدم العمل البلدي بشكل حقيقي وملموس، وتفنيد هذا الرأي يقع على عاتق الوزارة التي ينبغي أن تحدد بشكل معلن وتفصيلي الأمور التي يستطيع عضو المجلس البلدي ممارستها والإعلان عن إنجازات الأعضاء في الدورات السابقة، مع توسيع الصلاحيات التي يمكن أن يزاولها عضو المجلس البلدي لأقصى حد يسمح به النظام ولا يتعارض مع مصالح العمل، والتعاون مع جهات أخرى كالتعليم لبث ثقافة العمل البلدي وثقافة الانتخابات وطرق سيرها وأهميتها.
الاعتراض على مشاركة المرأة في الانتخابات البلدية ناخبةً أو مرشحة، ليس جديدا هو الآخر في قائمة الاعتراضات التي تلقاها المرأة هنا بشكل مستمر.
فما زالت مقاومة تعليم المرأة على سبيل المثال -النواة الأولى لأي مجتمع متحضر- تسمع حتى وقت قريب، ويتحدث عنها كقناعة ترى ألا ضرورة في مواصلة الفتاة دراستها بعد المرحلة المتوسطة.
ومن يؤمن بمثل هذا الرأي السطحي سيؤمن أن مشاركة المرأة في المهن والوظائف المختلفة غير مهم ولا يجوز ويعد مخالفة شرعية في نظر آخرين. بعيدا عن الجدل الدائم حول المرأة والاختلاط في مجتمعنا، نلحظ أن مشاركة المرأة في العمل الحكومي الرسمي حول العالم منخفض نسبيا، للاعتقاد الاجتماعي السائد أن مكان المرأة الصحيح هو ميدانها "الخاص" في المنزل، وما يصاحبه من رعاية أطفال والاهتمام بالأسرة.
هذا الاعتقاد أدى مع مرور الزمن ومع إلباسه صبغة دينية، إلى ترسيخه حقيقةً مطلقة في مجتمعاتنا العربية التي تقل فيها المشاركة النسائية في الميادين "العامة"، وما أفضى إليه هذا من عدم المساواة بين المرأة والرجل في التعليم، والعمل والفرص الوظيفية والقيادية، وحتى في توزيع الأدوار داخل الأسرة الواحدة. وأصبح البحث عن هذه المساواة خروجا عن الدين أو عن منظومة العرف الذي تفرضه القبيلة ومفاهيمها الرجعية.
لذا، أصبح تنميط المرأة جنوسيا هو الغالب في التعامل مع مشاركة المرأة في الحياة العامة، خاصة الجوانب الحديثة لدينا كالمشاركة في عضوية مجلس الشورى والمجالس البلدية.
وعلى الرغم من هذا التقييد المنظم للمرأة، وكثرة المهام المسندة إليها في حياتها الخاصة والعامة، والرقابة التي تفرض على تحركها وما يصاحبها من ضرورة تفسير وتبرير وتحليل من المشغولين بتوافه الأمور، والاعتقاد بضعفها وعجزها عن اتخاذ القرار والقيادة، رغم كل هذا ما زلت المرأة تثبت جدارتها في أي مجال تمنح فيه الثقة والمجال للعمل والإبداع، والنماذج لهذه الحقيقة كثيرة حولنا وأن غُيبت.
تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة كشفت الوعي الاجتماعي لدينا. قضية الفوز بالمقاعد وطريقة الحصول عليها ليست قضيتنا هنا، لكن إن كان أي واحد منا مهما تباين تعليمه ومستواه الثقافي والاجتماعي لا يكف عن مقارنة وطننا بالدول الأخرى، مقارنة حضارية وتنموية لا تخلو من التحسر على "تخلفنا" أيا كان وصفه ومجاله، فما الخطوة العملية التي بادر بها حينما فتح له المجال للإسهام ولو كانت بداية خجولة؟.
إن الحراك المدني والحضاري لا يأتي دفعة واحدة، ولا يسقط علينا من السماء فجأة، بل يبدأ بخطوات صغيرة ومتواترة يقوم بها المخلصون لوطنهم والمؤمنون بقضاياهم.
المشاركة في الانتخابات البلدية تعد خطوة متحضرة وواعية نحو مجتمع مدني نتمناه جميعا، والتحقير لهذه الخطوة هو الرجعية بعينها. النساء اللاتي فزن بالمقاعد في المجالس البلدية دخلن التاريخ، ليس لذات المقعد والاعتبارات المهنية أو الاجتماعية التي تصحبه، بل لأنهن قفزن فوق حاجز الخوف والحذر، وبادرن في أول خطوة نحو المدنية سنرى ثمارها قريبا.
هذه المشاركة المبهجة توضح أن سيدات هذا الوطن قادرات على كسر المخاوف والعقبات التي توضع في طريقهن، فقط امنحوهن الثقة، وافسحوا لهن الطريق، وسيذهلونكم بالمسؤولية والعطاء. والخسارة في بعض المواضع تعد نجاحا.