في حديثه المثير إلى قناة مصرية خاصة، وأمام الإعلامية الشهيرة، منى الشاذلي، يقول سمو الأمير خالد الفيصل في جملة من خمس كلمات: كنت في شبابي طاقة مهدرة. تتساءل المذيعة باستغراب: حتى وأنت حفيد ملك وابن ملك؟ والجواب الذي لم يقله خالد الفيصل هو أنه لا علاقة بين جملته أو اعترافه ونسبه. نحن أمام درس تاريخي لآلاف الشباب. وقد لا يعلم كثر أنه أعاد دراسة المرحلة الثانوية في مدرسة داخلية وفق قواعد صارمة وجافة في نيوجيرسي الأميركية، وأكثر من هذا، فقد قرر بعد عامه الأول في جامعة (إكسفورد) أن يترك مقاعد الدراسة لولا أن والده الملك فيصل، رحمه الله، انتبه إلى طول الإجازة الصيفية لابنه ثم تصارحا ليتغلب قرار الأب بصرامة وحزم ليعود الابن إلى جامعته، ولولا تلك الجملة الجافة من فم الأب لظل الابن حتى اليوم طاقة مهدرة.
أنا مؤمن تماما أن الشاب إما ضحية جملة خذلان أو على النقيض قصة نجاح جملة سمعها لمرة واحدة في حياته. خذوا من قلمي هذه الأرقام: ربع نسبة الطلاب الذين يدخلون الجامعة لا يكملون دراستهم الجامعية ولا يتخرجون منها وهذا ما نطلق عليه في عالم (الأكاديميا) الهدر الجامعي، ويؤسفني أن أقول لكم إن نصف من يسقطون في براثن هذا الهدر تماما شباب كانوا من المتميزين في المرحلة الثانوية. هؤلاء بالضبط، هم شباب (الطاقة المهدرة) الذين تحدث عنهم خالد الفيصل الذي تم إنقاذه بجملة جافة من لسان أبيه. تقول الأرقام التي قرأتها في صحيفة (الحياة) قبل زمن أن 80 % من مدمني المخدرات يبدؤون الجرعة الأولى من هذه السموم في سن الـ19. وبمقياس اليوم فهذه النسبة الطاغية هم ضحايا إخفاق السنة الأولى من الجامعة. هم ضحية غياب جملة التوجيه وضحايا غياب القدوة. وفي الوقائع الملموسة فقد مررت في حياتي الأكاديمية على عشرات القصص التي يكتشف فيها الآباء، وبعد سنوات، أن أبناءهم قد تركوا مقاعد الدراسة الجامعية، ولن أنسى أبدا لحظات الألم التي مر بها هؤلاء الآباء وهم يواجهون هذه الحقيقة المؤلمة. لن أنسى ما حييت بكاء ذلك الأب الذي جاء لمكتبي الجامعي ذات زمن بعيد ثم يكتشف أن نجله الوحيد قد ترك الجامعة منذ عامين وهو يوهمه أنه يذهب كل صباح إلى الجامعة. لا زلت أتذكر، ولن أنسى أبدا أن ذلك الطالب كان من أوائل ومتميزي مرحلة الدراسة الثانوية. مؤمن أنه ضحية جملة خذلان مثلما أنا اليوم مؤمن أنه طاقة استثنائية مهدرة.