منذ اشتغالي في التعليم، وأنا أقرأ وأسمع البعض يتحدث عن تعليمنا بشيء من عدم الرضا، حتى من الوزير الحالي، الدكتور أحمد العيسى.  كان قد ألف كتابه "إصلاح التعليم في السعودية"، وكان تركيزه على ثلاث قضايا "غياب الرؤية، توجس الثقافة الدينية، وعجز الإدارة".

النقطة التي حيرتني، أن جميع معلمينا في نهاية العام الدراسي بنسبة 99،99 % منهم، يكونون قد حصلوا على نسبة فوق  الـ90 %! مما يعني، أنهم جميعا، حصلوا على تقدير "ممتاز"! وبالتالي، فهذا يعني أن تعليمنا "بخير"!، فكيف يتحدث هؤلاء عن سوء تعليمنا وتردي أحواله؟ طبعا، أنا أضع هذا التساؤل التهكمي، وأعلم أن تلك النسب ليست طبيعية، بل عادة ما تكون النتائج غير موثوق بها، ولهذا فلا يمكن أن تعكس تلك التقديرات والنسب العالية تفوق تعليمنا بدليل عدم رضانا عنه، رغم أن الميدان التربوي، يحظى بمعلمين مبرزين في الأداء والخلق والابتكار والتجديد، لكني أتساءل: هل حقا جميع المعلمين يستحقون تقدير "ممتاز"، وأنهم جميعا يتحلون بأداء عال يتناسب مع تقدير 90% فأعلى؟! إذا فما معنى أن تعليمنا مترد؟

عفوا إذا قلت صادقا، ودون اتهام لأحد من قيادتنا المدرسية، إن التقديرات في واد، ومستوى بعض المعلمين في واد آخر، وإن "بطاقة الأداء الوظيفي للمعلم" تعبأ كيفما اتفق من بعض المديرين، فقد جرت العادة عند بعض مديري المدارس قديما وما زالت، أن "المعلم الذي يريد مديره نقله، وتعب منه، ولم تفد حلول استصلاحه" أن يعطيه 99%، وبهذا سيُنقل، ويرتاح منه، لتُبتلى به مدرسة أخرى، هذا الواقع دون رتوش، ولهذا أقول للوزير، إن "تقويم أداء المعلم مفقود" في مدارسنا، وحينما يكون ذا مصداقية، ووفق مؤشرات واضحة، فأول من سيسعد به، هم المعلمون أنفسهم، لأن "المعلم المجتهد" يشعر بالغبن حين يتعب، ويجتهد، ويبتكر، ويأتي بوسائل تعليمية، وحوافز تشجيعية لطلابه، ثم يجد أنه يتساوى مع "المعلم المتهاون" في معظم واجبات التعليم، ومتطلبات العمل التدريسي ويراها "شكليات"!

إن كل الدول التي سجلت تفوقا في تعليمها، كالفنلنديين والماليزيين واليابانيين، حظي المعلم عندهم بالاهتمام "اختيارا وإعدادا، وتدريبا مستمرا، ثم تقويما صادقا، وتكريما"، كذلك بطاقة تقويمه في الأداء الوظيفي يستفاد منها في تقديم "تغذية راجعة" للميدان، ونحن لا نريد أن يصبح تعليمنا مهنة من لا مهنة له، فلقد مللنا السؤال المكرر:"لماذا تعليمنا في انحدار؟!"، رغم ارتفاع كلفته، وحجم إنفاقه، وكبر موازنته.