انتهت انتخابات المجالس البلدية لدورتها الثالثة وشهدت زخما إعلاميا متميزا داخليا وخارجيا، وهنا لا بد من الإشادة بجهود وزارة الشؤون البلدية والقروية سواء في الدعاية التي استمرت أكثر من 4 أشهر أو في تدريب الطواقم البشرية التي أدارت ونفذت عملية الاقتراع.
كان خفض سن الناخب إلى 18 بدلا من 21 في صالح الإقبال على الانتخابات، فأغلب الناخبين كانوا من هذه الفئة فخاضوها بنفس الحماس الذي خضنا به انتخابات الدورة الأولى، كما أن مشاركة المرأة سلطت الضوء على الانتخابات بشكل قوي ومركز.
في التنظيم الإداري للمناطق بعد تأسيس المملكة قُسّمتْ كل منطقة إلى مراكز (كنا نسمّيها إمارات) تتبع أمير المنطقة، وحديثي هنا عن منطقتنا جيزان، حيث يسكن الناس على ضفاف الأودية، وغالبا فعلى كل وادٍ تقطن قبيلة كبرى ببطونها أو قبائل يجمعها أصل واحد أو جامع تاريخي أو اجتماعي مشترك، وكانت المراكز (الإمارات) تتوزع حسب هذه الديموجرافية، فلكل تجمع قبلي مركزه ويكون مقره في البلدة التي تمثل سوقا لقبائل الوادي، وفيها نشأت الدوائر الحكومية الأخرى بجوار المركز، وكان هذا التقسيم -كما أعتقد- ضروريا لتثبيت الاستقرار والاندماج الناعم في معنى الدولة وسلطتها. ولما صدر نظام المناطق المعمول به الآن بقي الحال على ما هو عليه وصارت المراكز الكبرى محافظات تتبعها مراكز صغيرة. أي أن لكل تجمع قبلي محافظته ومحكمته وبلديته وفروع الدوائر الحكومية كالتعليم والزراعة والمصالح الأخرى.
من الطبيعي أن تخضع الانتخابات البلدية لهذا الحال المستند أساسا إلى القبيلة، ولن تنجو الانتخابات من قبضة القبيلة في المدى المنظور ما لم تكن هناك فكرة تلتف على هذا الفخ القبلي (كأن يكون هناك مجلس بلدي للمنطقة كلها وإلغاء المجالس الحالية)، أو أي فكرة تجبر الناس على الاندماج من أجل المصلحة الوطنية وتغليب المصلحة العامة كأساس لانتخابات المجالس البلدية، إن معاول التوعية بثقافة الانتخابات وترسيخها لن تفلح في صدع هذه الصخرة العتيدة.
على باب المركز الانتخابي تحدثت مع كثير من الناخبين، شيوخا وشبابا، وكان أغلبهم إن لم يكن كلهم إنما جاؤوا لرفع اسم قبيلتهم بالفزعة لمرشحهم، بعد أن رسخ أعضاء مجالس الدورتين السابقتين في الناس أن الانتخابات ميدان لتميز القبيلة التي يفوز مرشحها، وبالتأكيد هناك ناخبون اقترعوا لأغراض أخرى لكن أكاد أجزم أن أحدا منهم لم يدخل مركز الاقتراع وفي باله مصلحة قريته أو حارته. وهذا لا يعني أن كل المترشحين ليسوا واعين بما عليهم بعد الفوز، ففي الدورة الثانية دخل شاب متحمس من إحدى القبائل العريقة على وادينا لكنه اصطدم بالعرف وطريقة العمل التي رسخها أعضاء مجلس الدورة الأولى الذين فازوا معه في الدورة الثانية (وفازوا أيضا الآن في الدورة الثالثة) فقدم استقالته.
إحصائيات الانتخابات تشير إلى أن معدل نسبة الإقبال على الانتخابات في التجمعات المدنية في حدود 42 % (الرياض، جدة، المدينة، مكة، الشرقية، الأحساء، جازان، الطائف.) بينما في المناطق التي تطبعها القبيلة تجاوزت نسبة الإقبال 60 %!! وهذه مفارقة تثبت أن الجاذبية القبلية ستجذب الانتخابات البلدية لتدور في فلكها باستمرار ما لم تنعقد الإرادة على ترسيخ ثقافة الانتخابات والغايات الوطنية منها، وإبداع أفكار من الآن لتجنب بهوت التجربة وفقدان الإحساس بها وهدر المال العام عليها.
بعد 4 سنوات ستحل دورة أخرى ولا بد من البحث عن مقبلات حقيقية لترغيب الناس بها، فلن تكون مشاركة المرأة بهذا البريق الآن، ولن يكون ممكنا خفض سن الناخب إلى أقل من 18، وهما العاملان اللذان أنقذا الانتخابات الأخيرة وحققا لها الحد الأدنى من الإقبال عليها.
ما حدث هو اقتراع ناجح لكن الانتخابات ما زالت في الانتظار لسنوات نأمل ألا تطول.