نحن في المملكة، لدينا وطن عظيم، تاريخياً وجغرافياً وحضارة عريقة، ووحدة كبرى، وإنجازات ضخمة، بل إن وطننا يكاد يكون الوحيد المتميز بثراء تنوعه الاجتماعي والجغرافي، وبثرواته الهائلة في باطن أرضه وفوقها، وأهمها الإنسان الذي سيحافظ ويدعم وينمي ويحمي ويضيف إلى كل هذا الهرم الضخم من المميزات العظيمة النادرة.

وكل ذلك لا شك من فضل الله علينا، ثم بفضل حكمة وحنكة القيادة السعودية التي وحدت الأرض، وحققت الأمن، واستثمرت الثروة لبناء الإنسان والمكان حتى أصبحت المملكة في صدر المجلس العالمي اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ومكاناً ومكانة.

ولله الحمد والمنة، والفضل -أيضاً-، أن بلادنا العظيمة، حيرت المراقبين السياسيين، وعلماء السياسة، وراصدي الأحداث، فكلما جاء ملك جديد، بهدوء وسلاسة وانتظام، بدؤوا يجتهدون –وهذا من حقهم– في توصيف مرحلته، وإعطائها من الصفات ما يليق بها أحياناً، وما ينتقص منها أحياناً، أو يعظمها أحياناً أخرى ويضعها فوق مستوى الإنجاز البشري.

والحقيقة أن كل هؤلاء لا يلفتون نظري، ولا يزعجونني، ولا يفرحونني، لسبب بسيط جداً، وهو أنني شخصياً سبرت -بنفسي- الذات الحاكمة من الأسرة السعودية في المملكة. ولهذا لا أتعجب، ولا أستنكر، حين يأتي أي مجتهد "محب أو كاره أو حاقد أو مبالغ في الحب أو الكره" ويقول، ما يقول، فأنا أقرؤه، وأستمع إليه من باب الاطلاع، وأحياناً كثيرة –وأقصد الاستماع– من باب المجاملة لا أكثر، ما لم يتجاوز إلى الانتقاص من أحد، أو الشتم أو غيره، فإنني ألجمه بطريقتي، وأجعله يحسب ألف حساب لمثل ما فعل أمامي، ويحذرني حتى وإن كنت غائباً عنه، فهو وغيره –مثلاً– يعلمون أنني واسع الصدر قابل لأي نقاش، وأي نقد، إلاّ أن يمس وحدة الوطن وأمنه، واستقراره، وقيادته، فعند هذا المساس، فإنني أتحول إلى إنسان شرس الفكر والكلام، وأنا لا أستخدم يدي ولا قوتي البدنية مطلقاً –وهي ضعيفة– لكني أعرف أن بعض الكلام يكون وقعه أشد من حد السيوف –كما أظن– وأزعم أنني أعرف كيف أختار الكلام المناسب في الوقت المناسب، وقد أكون واهماً لكن أحاول! المهم، أن بلادنا –ولله الحمد– محيرة لأولئك السياسيين والمراقبين والراصدين، وهذا سر عظمتها، فمنذ أن وحدها الرجل العظيم "عبدالعزيز"، رحمه الله، وضع قاعدة جوهرية للتطور والنمو، وذلك حين تمثل ببيت الشعر الشهير: نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا.

لكنه غيَّر –بعبقرية نادرة– كلمة "مثل" ووضع مكانها "فوق"، وقد فعل –رحمه الله– أضعافاً مضاعفة "فوق" ما فعل الأوائل، إذ حقق أعظم وحدة عربية في التاريخ الحديث، ثم جاء أبناؤه الملوك من بعده "سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله"، رحمهم الله جميعاً، فواصلوا البناء على ذات القاعدة الجوهرية "فوق ما فعلوا"، فكل ما جاء ملك أضاف لما فعله السابق، حيث يحافظ على ما أنجزه سابقوه ويتخذه قاعدة للانطلاق بالوطن إلى الأعلى والأسمى، والأجمل، ولهذا يتعب المراقبون في التوصيف، ويحتارون، فكلما أسبغوا على مرحلة لأحد الملوك، أو على شخصيته، صفات ذات دلالات عظمى، جاء الذي بعده، لتقول أفعاله إن مرحلته وشخصيته تحتاج إلى صفات ذات دلالات أعظم من دلالات الصفات التي أطلقت على مراحل وشخصيات الملوك السابقين.

والحقيقة التي لا مراء فيها –من وجهة نظري– أن كل الصفات التي أطلقت على الملوك السابقين يستحقونها، بل ويستحقون أعظم منها، أمّا المراحل فإنها وحدة متصلة مترابطة متداخلة متشابكة لدرجة يصعب معها فصل مرحلة عن سابقتها أو لاحقتها، وهذا أيضاً، -من وجهة نظري– حتى لا يغضب مني الإخوة المراقبون السياسيون، سواء من داخل المملكة أو خارجها، سيما أولئك الذين ألفوا كتباً، وكتبوا مقالات، عن "الدولة السعودية الرابعة" أيام الملك فهد، رحمه الله، ثم جاء آخرون وألفوا وكتبوا مثل ذلك عن مرحلة الملك عبدالله، رحمه الله، وقبلها أطلق آخرون أوصافاً عبر مقالات وكتب عن مرحلة الملك فيصل، رحمه الله.

ولهذا فالمرحلة والرحلة من –وجهة نظري– واحدة، والملمح الوحيد الذي يميز كل مرحلة هي "نفعل فوق ما فعلوا"، إذ لا أعرف حسب اطلاعي أن ملكاً جاء وعمد إلى إلغاء أو تأخير إنجازات سابقيه، بل يمجدها ويحرص عليها، ويضيف إليها، وإذا رأى أن منجزاً من تلك السابقة يتطلب إصلاحاً أو تطويراً أو تغييراً فإنه يبادر إلى ذلك دون حرج، بل إنه واجب عليه.

وها هو "الملك سلمان" لا يكاد يلقي خطاباً، إلاّ وتذكر وذكر الملوك السابقين بالاسم، معدداً منجزاتهم وفضائلهم، وفخوراً بأنه يقف على هرم ضخم من إنجازاتهم، التي تعد مفاخر وطنية كبرى، والملك سلمان –حفظه الله– حين يعدد تلك المنجزات القائمة، فهو يعددها لا ليقول ويفتخر فقط، بل ليفعل "فوق ما فعلوا"، ولهذا نراه يواصل البناء ويقدم الفعل العظيم، تلو الفعل، ومن أبرز الإضافات التاريخية له –رعاه الله– تعيين حفيدي "المؤسس" الشابين: الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد، والأمير محمد بن سلمان ولياً لولي العهد، ثم تكوين المجلسين "الأمني والسياسي" برئاسة ولي العهد، و"الاقتصاد والتنمية" برئاسة ولي ولي العهد، ولا أظن أن الأميرين الشابين بحاجة لإطراء أو ثناء، فهما علمان معروفان، للشعب وللعالم، وأفعالهما الرائعة تتحدث عنهما بوضوح صارخ، وفي كل يوم، ولكل منهما تاريخ حافل بالتعليم المتميز، والتأهيل الرفيع، وفوق ذلك فهما مجربان ضليعان في تحمل المسؤولية والقدرة على الحكم، فهما سليلا وخريجا ذات المدرسة، مدرسة "عبدالعزيز"، التي –لا شك– تواترت إليهما منذ نعومة أظفارهما، إضافة إلى وجود الملك "المدرسة" سلمان بن عبدالعزيز، الذي تتلمذ وعمل وخبر منذ عهد أبيه المؤسس، وكان حاضراً ملازماً فاعلاً مع إخوانه الملوك، ووليي العهد "سلطان ونايف" رحمهما الله، ولم يتسلم دفة الحكم، ويتسنم هرم المسؤولية في البلاد، إلاّ وهو خبير، يعرف كل شبر من أرضها، وكل قبيلة وعائلة، وأكاد أقول –كل فرد– من الشعب، نظراً لمعرفتي –الشخصية– بالملك سلمان، وقوة ذاكرته، ودقة وعمق معرفته، وهو لا شك يمثل مدرسة عظمى الآن للأميرين الشابين المتوقدين حماساً وطموحاً.

لقد جدد "سلمان بن عبدالعزيز" شباب الدولة، وكرس الاطمئنان على مستقبلها عقوداً طويلة قادمة، ولا أشك لحظة واحدة، أن بلادنا ستشهد نقلة نوعية كبرى في عهده –حفظه الله– على كافة المستويات، وذلك بدعمه وفكره الناضج الحكيم، مع حماس وطموح الأميرين الشابين اللذين لا يكاد يمر يوم، إلاّ وهما يجتمعان بالمجلسين اللذين يتوليان التخطيط والتنفيذ في كل أجهزة الدولة.

ولأن مجلس "الأمن والسياسة" ذو اختصاص دقيق وخطير وسري في معظم أعماله وخططه، فإنه بعيد عن نظر وأضواء الإعلام –ويجب أن يكون كذلك غالباً– في كل دول العالم، لكن الشعب والعالم يرى نتائجه، فالأمن مستتب والاستقرار مكرَّس، والقوة السعودية "سياسياً وعسكرياً" واضحة للعيان.

أمّا مجلس "الاقتصاد والتنمية" فإنه معني بخدمات الناس واحتياجاتهم، في حاضرهم ومستقبلهم ولهذا دعا الأمير محمد بن سلمان نخبة من الإعلاميين والمثقفين والمواطنين ليشرح لهم خطة "التحول الوطني" التي ستبدأ مع عام 2016 حتى عام 2020، وستتلوها حينذاك –حتماً– خطط أخرى، وقد أعلنت ملامح الخطة، وبعض تفاصيلها، لكن بتحفظ شديد، لا أرى له –أي التحفظ– أي مبرر مطلقاً!

المهم أنني قبل أن أكتب هذا المقال، قرأت مقالين، جاءا بالصدفة متجاورين في صفحة واحدة من الزميلة "صحيفة عكاظ"، الأول كان بعنوان: "نقطة التحول" للكاتب الاقتصادي الفذ "عيسى الحليان"، والثاني كان بعنوان: "رسالة مفتوحة إلى سمو الأمير محمد بن سلمان" للكاتب الوطني صاحب الأسلوب والفكر الرفيعين الروائي المعروف "محمد الرطيان"، كما قرأت مقالاً آخر في صحيفة "الوطن" كان تحت عنوان "برنامج التحول الوطني" للزميل الكاتب الاقتصادي المتميز "برجس البرجس"، والمقالان الأول للحليان، والثالث للبرجس، مهمان جداً، ومفيدان كثيراً، وأرجو أن يقرأهما "الملك وولي العهد وولي ولي العهد" وكافة أعضاء المجلسين، أمّا الثاني وهو مقال "الرطيان" فلا تكفي قراءته فقط، بل أعتقد أن من الضروري جداً تبنيه، وتطبيقه فوراً، فهو قاعدة ونقطة إطلاق صاروخ "التحول الوطني" المطلوب، وبدون هذه القاعدة لا يمكن -إن لم يكن يستحيل- إطلاق الصاروخ، فكيف يمكن –عقلاً ومنطقاً وصناعة– أن نطلق صاروخاً بدون قاعدة إطلاق. هذا مستحيل! فاقرأوا مقال "الرطيان!!"