في عصرنا الحديث كثيرة هي الأشياء الممكن للإنسان التنازل عنها بشكل دائم أو مؤقت؛ مقابل عدم ضياع أشياء كبرى أخرى أهم.. تستطيع أن تسرد قائمة عريضة من هذه الأشياء!

لكن أمرا واحدا لا يمكن لأي عاقل التنازل عنه، مهما كانت المبررات والأسباب؛ وهو الأمن..

كثيرون يسفهون حديثنا عن الأمن، نعرفهم بلحن القول ونوع القناع.. إذ يحاولون إقناعنا بأنه نوع من صرف الانتباه عن أشياء مهمة! وهذه كلمة حق يراد بها باطل، من حقنا أن نطالب بالإصلاح، من حقنا أن نرفع صوتنا بحثا عن التنمية.. لكن لا يمكن التقليل من الأمن، أو التقليل من محاولة زعزعته تحت مسميات مخاتلة.

على يقين تام، وقلت ذلك غير مرة، إن الأمن هو الركيزة الأساس لكل عمل.. لا حياة ولا تنمية ولا نهضة ولا فكر ولا حريات ولا اقتصاد ولا تعليم ولا معرفة ولا ديموقراطية خارج إطار الأمن. شوارد الأمثلة التي تؤكد أن ذهاب الأمن ذهاب للحياة بأكملها كثيرة، ومتجددة، وتظهر كل يوم بشكل مختلف، ولون جديد.. انظر حولك.. لا يستطيع المواطن السوري أن يسير من ساحة المرجة إلى مساكن برزة. لا يستطيع المواطن العراقي أن يتنقل بين البصرة وبغداد. لا يستطيع المواطن اليمني أن يتنقل من صنعاء إلى عدن.. وهناك معاناة المواطن الليبي الذي لا يستطيع الانتقال من طرابلس إلى بنغازي.. وغيره..

الإنسان العاقل المتبصر في مآلات الأمور يدرك أن بوسعه قبول كل الأحاديث.. إلا حديثا يقلل من قيمة الأمن.. نتفق على الأمن أولا.. ولنختلف بعد ذلك كيفما نشاء..

الغريب -تأمل معي- أن هؤلاء الذين يقللون من نعمة الأمن، ويبررون لكل محاولات زعزعة الأمن وإلباسها لبوس الرأي والتعددية، وينتقدون إجراءات الدولة لحفظ الأمن، هم أول الضحايا لو انفرط عقد الأمن!

قرأت لأحدهم -ممن يروق لهم وصفهم بالتنويريين- تقليله من أحد إجراءات الدولة لاستتباب الأمن، قلت للجالس جواري: هذا الأحمق بالذات سيتم ذبحه في مجتمعنا على عتبة باب بيته لو انفرط الأمن.. لكن الأحمق أحمق.. لا يستوعب الدرس إلا بعد فوات الأوان!