الآن -وكما يعلم الراصدون والمتابعون- فإن أخطر تنظيمين حركيين في العالم الإسلامي هما تنظيم (الولي الفقيه) وتنظيم (المرشد) والأول يتستر ويخدع أتباعه بعباءة المذهب الشيعي، والثاني يتستر ويخدع أتباعه بعباءة المذهب السني، ومن تحت عباءة الأول قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتناسل عنها وتحت رعايتها حزب الله في لبنان وحزب الدعوة في العراق والحوثيون في اليمن وكل حركة إسلاموية شيعية هي من تحت هذه العباءة، وتنظيم الولي الفقيه هذا يعادي كل من لا ينتمي إليه من الشيعة، فضلا عن عدائه للسنة، باستثناء من ينتمي لتنظيم المرشد، أما تنظيم المرشد فيتبعه جماعة الإخوان المسلمين وتفرع عنها أخطر تنظيم حركي الآن وهو تنظيم السرورية، ومن هذا الأخير ولدت الجهادية السلفية التي أنجبت القاعدة ثم داعش، وجماعة الإخوان كادت تختطف مصر ليصبح تنظيم المرشد له دولة مماثلة لدولة تنظيم الولي الفقيه في إيران، وتنظيم المرشد يعادي كل من لا ينتمي إليه من السنة، فضلا عن عدائه للشيعة، باستثناء من ينتمي للولي الفقيه.
وكما هو واضح في التسلسل فإن التنظيمين متفقان استراتيجيا وآلية وهدفا، فأما الاستراتيجية فهي السيطرة على العالم الإسلامي، وأما الآلية فهي قوتان، فكرية وتسمى (القوة الناعمة) وقوامها (الإقناع والإغراء)، الإقناع عن طريق الخطابة والمحاضرة والدروس والكتب والرسائل وغيرها، والإغراء بالمناصب والمال والنساء (جواري الدنيا وحور الآخرة)، مع اختلافات طفيفة بين التنظيمين في القوة الناعمة، ولكل تنظيم مناصبه ومسمياتها المعروفة، وأما القوة الثانية وتسمى (القوة الخشنة) فهي التنظيمات العسكرية السرية التي تقام من أجل التجنيد لها -في مناطق النفوذ المذهبي لكل منهما- المخيمات الدعوية والمعسكرات الكشفية وأحيانا الجمعيات الخيرية لجمع التبرعات، ثم الجيوش المعلنة، كما هو حال دولة إيران وتنظيم حزب الله وحزب الدعوة العراقي والحوثيين، ومثل جيش دولة داعش، وما كان ستؤول إليه مصر لو استمر حكم جماعة الإخوان المسلمين، ثم كل التنظيمات الحركية السرية والخلايا الإرهابية المنتشرة، سواء كانت سنية أو شيعية.
ونظرا لأن عدد السنة المسلمين أكثر كثيرا من الشيعة فإن التنظيمات الحركية والخلايا الإرهابية السنية أكثر، ومن الملاحظ أن المنظرين الحركيين في التنظيمين (الولي الفقيه، والمرشد) يحقن كل منهما أتباعه المخدوعين بالعداء والرفض لمذهب الآخر، وذلك بهدف تكثير الأتباع ولكسب -على الأقل- تعاطف بقية أبناء المذهب، فإن لم يقتنعوا بالفكرة فلا أقل من التعاطف والصمت! وهو ما حدث ويحدث، فأنت لا يمكن أن تجد (درويشا) سنيا يكفر داعش أو يشتم جماعة الإخوان، ومثله (الدرويش) الشيعي لن تجده يذم أتباع الولي الفقيه حتى لو لم يكن منتميا ولا مقتنعا، لكنّ الحركيين من التنظيمين يعلنون عداءهم للإرهاب ويشجبونه ويستنكرونه، سواء كان سنيا أو شيعيا، لكنهم سرا وعلنا يجندون له بحجة تفشي المنكر والإلحاد، وأيضا تجد كل فريق يحذر من خطر المذهب الآخر ويدعو للاستعداد عسكريا لمواجهة خطره، بل ويوظفون أي خلاف سياسي ويحولونه إلى خلاف مذهبي، بل ويرى حركيو كل تنظيم أن أتباع المذهب الآخر كلهم كفار، بهدف طحن الدول التي يطمحون إلى السيطرة عليها عن طريق تكريس الطائفية التي يريدونها حروبا أهلية تهيئ لكل تنظيم المناخ المناسب لتوسيع رقعته ودولته، والأمور واضحة.
ما تقدم تداعى إلى الذهن وأنا أتابع ردة فعل التنظيمين وأتباعهما في العالم -وخاصة الحركيين-على ما قامت به المملكة من إعلان يوم السبت الماضي عن إقامة الحد على 47 إرهابيا، في كل مناطق المملكة ما عدا جازان، وقد تجلى أمامي بصورة واضحة كل ما ذكرته أعلاه فتنظيم الولي الفقيه يملك دولة وحزبين قويين نافذين (حزب الله في لبنان، والدعوة في العراق) ولذلك جاءت أصوات الاستنكار والشجب متناغمة من طهران وبغداد وبيروت، ومن صنعاء (مع أن حزب أنصار الله يتقهقر صوتا ونفوذا وقوة عسكرية أمام القوات الشرعية وضربات التحالف الجوية)، أما أتباع (تنظيم المرشد) فصمت وتوارى معظمهم، ولم يظهر سوى بعض المنظرين الحركيين الذين أيدوا، وهذا متوقع وينسجم مع موقفهم المعلن في شجب الإرهاب، وإن كان بعضهم يضيف غالبا حين يتحدث عن الإرهابيين بأنهم (إخواننا بغوا علينا)، وبعضهم يقول (لا نكفرهم بحجة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكفرهم)، بل إن بعضهم ممن شاهدتهم على بعض القنوات لم ينس في معرض تأييده لإقامة حد القتل على هؤلاء القتلة المجرمين الإرهابيين، والمحرضين على الإرهاب والقتل، لم ينس أن يشير إلى ضرورة إقامة الحد على كل من يرتكب جرما يوجب حد القتل حتى لو تاب وراح يورد استشهادات لا مكان لها هنا، فهؤلاء استحقوا القتل لأنهم قتلوا أو حرضوا ودفعوا من قتل ومارس الإرهاب ومثل هؤلاء هل يصح قبول توبتهم، حتى لو أصبحوا من النساك الزهاد فهم مجرمون إنسانيا وعقلا وشرعا وعرفا، والإساءة -حتى لو كانت بسيطة- للآخرين لا يكفي أن يتوب فاعلها أو يتأسف إلا إن تنازل من تمت الإساءة إليه، وهذا معروف وثابت في كل الشرائع والقوانين والأعراف، فما بالك بالإرهابي الذي ثبت إرهابه وأثر إرهابه قتلا وترويعا! لكن استشهادات هذا (الحركي أو الدرويش) على عدم قبول التوبة -الذي جاء في غير مكانه ولا وقته- هي سلاح وتقديم يدعم به أمرا آخر سأفصله في مقال لاحق (لا تنسوا إشارتي هذه)!
لا شك أن تنفيذ حد القتل في الإرهابيين الذين فجروا وقتلوا الأبرياء من المواطنين ورجال الأمن والمقيمين كان متوقعا ومنتظرا، بل إنه تأخر كثيرا لكن قتل المحرضين على الإرهاب والتحريض عليه بتكفير القيادة ورجال الأمن ووصفهم بأوصاف كفرية وإجرامية، وهما (شويل الزهراني ونمر النمر) كان رسالة أقوى، وخطوة أبلغ في ردع الفكر الإرهابي المحرض على حمل السلاح وقتل رجال الأمن وإثارة الفوضى، وهو فكر ينتمي للتنظيمين الرئيسين اللذين أشرت إليهما أعلاه بشقيه (السني والشيعي)، وللفكرين في بلادنا أتباعهما والمنظرون لهما، وإن كانوا في الجانب السني أكثر وأوضح نسبة للعدد من أصحاب المذهبين، وأتباع تنظيم الولي الفقيه سواء كانوا منظرين أو مخدوعين، وبعضهم مجرمون يمارسون الإرهاب بين الحين والآخر، هم قلة لهم معقل معروف وهم متناثرون ويختبئون فيه، وهو بلدة (العوامية) التابعة لمحافظة القطيف، وفي قرى قليلة حولها، وهم منبوذون من أغلبية أهل العوامية نفسها ومن جميع الشيعة، وقد فصلت ذلك في مقالي السبت الماضي، أما أتباع التنظيمات الحركية المتفرعة عن تنظيم المرشد من المنظرين والإرهابيين فهم قلة، لكنهم موجودون في كل مناطق ومحافظات المملكة، أما الأتباع المخدوعون والدراويش فهم كثرة كاثرة في كل مكان، فالفكر الخطير هذا انتشر مع سطوة ما سمي بالصحوة التي قامت على أكتاف السرورية واستمرت تنتشر أكثر من 30 سنة ولم يسلم منها بيت واحد، وهو ما هيأ أرضية خصبة لتجنيد إرهابيين أغرار من كل المناطق والمحافظات، أما الفكر المنظر للإرهاب فلم يسلم منه فصل دراسي ولا مسجد، فضلا عن المخيمات والمعسكرات والمحاضرات وغيرها، ولهذا فإن إقامة حد القتل على (شويل، والنمر) اللذين قاوما وأطلقا النار عند القبض عليهما كان رسالة بليغة لمنظِّري الإرهاب من الجانبين وهي -كما قلت- رسالة استفزت قاعدة الإرهاب الشيعي الرئيسة في طهران وفروعها هنا وهناك، أما تنظيم الإرهاب السني فلم تأت ردة فعل استنكارية تهديدية واضحة إلا من داعش، وبعض الأتباع والمنظرين له اللاجئين في بعض الدول وفي أوروبا بصفة بارزة، أما البقية فلاذوا بالتأييد الضعيف أو الصمت، ولعل الرسالة تجعله صمتا سرمديا وهذا ما نرجوه، فكل من يدعو لولاية الفقيه، أو من يرى الخلافة رأي العين، ويحرض على حمل السلاح والجهاد لإقامة أي منهما فمصيره معروف.