ماجد محمد آل طلحان
بيّن لنا الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم مكانة أهل العلم وفضلهم، وكيف أن أهل السموات والأرضين يدعون لمعلم الناس الخير.
فمن أكرمه الله تعالى بالعلم النافع، الذي يستطيع من خلاله أن ينفع بني جنسه، فقد رفع شأنه، وأعلى منزلته، وأفاض عليه من نعمته.
ولعل الاعتناء بتكوين المعلم المتميز في هذا العصر هو من أهم أوليات المجتمعات العربية والإسلامية، بعد ما أصابها من ضعف وترد، وتخلف عن ركب الحضارة.
ولا يمكن الحديث اليوم عن أي تقدم للمجتمع دون النهوض بالمعلم ورفع كفاءته، فللمعلم دوره الأساسي في العملية التربوية والتعليمية، ولأهمية دور المعلم كان لا بد من توافر شروط ومميزات في شخصيته؛ ليستطيع القيام بهذه المهمة العظيمة، بكفاءة عالية تؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوة.
والمعلم هو الشخص الذي يؤتمن على أهم ما تملكه الأمة والمجتمع من ثروة، وأقصد بهذه الثروة فلذات الأكباد، وتكمن أهمية المعلم في كونه الشخص الذي يعتمد عليه في رعاية هذه الثروة واستثمارها الاستثمار الأمثل، الذي يحقق أهداف المجتمع وطموحاته، فهو يقوم بعملية التعليم وفق الخطط والرؤى التي تحقق الأهداف والغايات المنشودة، ويرعى تربية الأبناء ويلحظ نموهم في شتى المجالات.
ولذلك سمى بعضهم مهنة المعلم بـ(المهنة الأم)؛ وذلك لأنها مهنة سابقة وأساس لتمكين الأفراد من الالتحاق بأي مهنة أخرى، فالمهندس والطبيب والطيار وغيرهم، لا بد لهم قبل أن يتبوؤوا هذه المناصب من أن يتلقوا العلم عن المعلمين في المدرسة بمراحلها المختلفة، أو في الجامعة بشتى كلياتها وتخصصاتها، وبقدر الاهتمام والتطور الذي يلحق بعمل المعلم، بقدر ما يؤدي هذا العمل إلى نمو الطلاب وتطورهم، فالأطباء والمحامون والمهندسون وغيرهم من فئات المجتمع يتأثرون في مستوى مهاراتهم الأكاديمية، وخلفياتهم المعرفية، وسلوكياتهم الأخلاقية، إلى حد كبير بسلوك معلميهم، وما يبذله هؤلاء المعلمون من جهد طوال سنوات التعليم.
ولا شك أن المخترعين وكبار العلماء وعظماء الساسة في تاريخ العالم الحديث والقديم قد عاشوا خبرات تربوية، وفرها لهم معلمون أكفاء طوال مراحل تعليمهم، الأمر الذي أثر في صقل تفكيرهم وبناء شخصياتهم على نحو مكنهم من التميز، وجعلهم صناعا لأهم الاكتشافات أو القرارات المؤثرة في حياة البشرية، كما مكن أممهم من الاضطلاع بمهمة الصدارة والقيادة بين الأمم الأخرى.
ولعل من أعظم الأدلة على ما سبق قوله صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، الذين تخرجوا في مدرسة النبوة، فكان منهم العلماء، ومنهم القادة، ومنهم الأبطال، ومنهم الدعاة، ففتحوا الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، ودانت لهم ممالك الأرض في الشرق والغرب، فبثوا الخير والنور في أرجاء هذه المعمورة، وما ذلك إلا لكمال صفات معلمهم عليه الصلاة والسلام، الذي صنعه الله تعالى على عينه، فكان بحق أعظم نموذج لمعلم عرفته البشرية.