كثيرا ما تُخسَر قضايا عادلة بسبب أن محاميها فاشل، وإذا كانت وسائل الإعلام بمثابة المحامين للدول فيما ينشب بينها من منازعات وخلافات وصراعات، فمن الواجب الاعتراف بأن لدينا نقصا في هذا الجانب، وأننا بحاجة إلى مؤسسات إعلامية محترفة تكون أكثر قدرة على الجذب والحشد والإقناع والتأثير، متجاوزة مرحلة الردح والتطبيل إلى الإقناع والموضوعية، لأن حكومتنا ثرية بالإنجازات الفعلية والسياسة الرشيدة، بما يجعلها في غنى عن أية أكاذيب فاضحة ومبالغات ممجوجة ومزايدات رخيصة.
وقبل أن أدخل في الموضوع أود التأكيد على أن هنالك قضايا يعجز في الدفاع عنها أذكى المحامين وأقدرهم في اقتناص الفرص والمراوغة، لأنها قد تكون على درجة من الوضوح ما يجعل من الدفاع عنها والتبرير لها إخلالا بالموضوعية وضربا في المصداقية، ومن الحصافة الاعتراف بها ومحاولة التقليل من تأثيرها بدلا من إنكارها بالكلية، فمن المؤسف أن بعض قضايانا العالقة تشكّل نقطة ضعف يُنفَذ من خلالها إلينا، بعد أن يعمل الأعداء على تضخيمها وإبرازها من أجل إضعاف مواقفنا وإحراجنا أمام العالم، كما يُفعل دوما مع مندوبنا الدائم في الأمم المتحدة السفير الرائع عبدالله المعلمي، فكلما جاء الحديث عن حقوق الإنسان تم تذكيره بسجناء الرأي، من أجل إيهام العالم أن لدينا خروقات كبيرة في هذا الجانب، مع أن هذا الملف في نظري قد نفخ حتى صار أكبر من حجمه بعشرات المرات، كما أن الدولة يمكنها غلقه بسهولة، وذلك بإصدار عفو عام عن جميع سجناء الرأي، مهما كانت أخطاؤهم ما لم تصل إلى سفك الدماء، أو التحريض المباشر على الدولة، وفي ظني أن أغلبهم -إن لم يكن جميعهم- لم يصلوا إلى هذا الحد، ولا يمكن التشكيك في نواياهم ووطنيتهم ونبل أهدافهم، لكنهم ربما أساؤوا التعبير فقالوا ما لا يجب أن يقال، وفعلوا ما لا يجب أن يفعل، مع يقيني أن لدى ولي أمرنا من الصبر والحلم والعفو والتسامح ما يسعهم ويفيض عليهم.
عندما تم إعدام الإرهابيين في الأسبوع الماضي عمد بعض الحاقدين إلى استغلال هذا الحدث بمحاولة الخلط بين هؤلاء الإرهابيين الذي ولغوا في دماء الأبرياء وأشاعوا الفوضى والخوف والدمار، بل تآمر بعضهم ثم هدد وطنه بالانفصال بقوة السلاح، وبين سجناء الرأي الذين صدرت بحقهم بعض الأحكام، ثم صوروا للعالم أن أولئك المجرمين سجناء رأي! ومن المؤسف أن هذا الادعاء وجد رواجا كبيرا لدى منظمات حقوق الإنسان والإعلام الخارجي بسبب هذا الخلط الخبيث المتعمد بينهما، وبسبب أن وسائل الإعلام السعودية كانت أقل من مستوى هذا الحدث، فبدلا من أن تحاول إقناع العالم بأنهم مجرمون يمثلون خطرا على الأمن والناس، ولم تجد معهم كل محاولات التأديب والإصلاح، اكتفت بالدفاع عن هذه الأحكام بالقول: إنها موافقة للشرع!
إن أكبر خطأ وقعت فيه وسائل الإعلام السعودية في حادثة الأحكام الأخيرة، وما دأبت على الوقوع فيه دوما، هو أنها تحاول إقناع العالم الخارجي بالطريقة نفسها التي تحاول بها إقناع السعوديين، حتى إن قناة محترفة كـ"العربية" يعوَّل عليها كثيرا في مجال القوة الناعمة وقعت في الخطأ ذاته، حيث كانت في كل نشراتها تؤكد على أن القضاء السعودي قضاء نزيه يحكم بشرع الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فتارة تستدل بما يقوله الفضلاء من أعضاء هيئة كبار العلماء، وتارة أخرى تستدل بالبيان الصادر عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إن شريطها الإخباري كان مشغولا طوال الوقت بأخبار من هذا الصنف!
يجب أن يعلم الجميع أن مبررات من هذا النوع ليست لها قيمة أمام العالم الخارجي، وأن من يستخدم هذه المبررات في مخاطبته هو كمن يؤذن في مالطا، لأن أي خطاب لن يكون مؤثرا ما لم يمر عبر منافذ ثقافية مناسبة للجهة الأخرى، بل إن تزكية هذه الأحكام حين تصدر عن أي جهة سعودية بما فيها منظمة حقوق الإنسان لن تكون مقنعة للعالم، على اعتبار أنها طرف غير محايد، كما أن العالم في مجال العدالة وحقوق الإنسان لا يتحدث بغير لغة واحدة، هي لغة القانون، وحين تحدثه عن الشرع ربما تبادر إلى ذهنه شيء آخر هو أبعد ما يكون عن العدالة، خصوصا أن كثيرا من الممارسات المقززة الصادرة عن الجماعات المتطرفة قد تم إلصاقها بالشرع، وقد تكون أول ما يتبادر إلى ذهنه حين تطرق مسامعه هذه الكلمة، ولذلك فإنه لن يصدقك ولو حلفت له بأغلظ الأيمان أن الشرع تتحقق فيه العدالة بأعلى درجاتها، وقد كان الأجدر بوسائل الإعلام أن تتحدث عن القانون، وما يحيط به من إجراءات تكفل تطبيقه بكل حيادية، إضافة إلى تكثيف الصور والمقاطع عن جرائم المتطرفين وعرض تسجيلاتهم لمعرفة أفكارهم ومناقشتها مع رجال القانون، فما أبلغ ما تفعله هذه الصور والمقاطع في مجال الإقناع وتوجيه الرأي العام، مثل ما فعل مشاري الزايدي في برنامجه (مرايا) عندما عرض تفاصيل اغتيال رجل الأمن رائد المطيري، رحمه الله، وكيف كان الإرهابيون في القطيف يترصدون لرجال الأمن من أجل قتلهم، بما يجعل من التعاطف معهم بعد ذلك ضربا من الجنون.