تمتاز سياسة المملكة بالحكمة وبعد النظر والتأني في اتخاذ المواقف والبعد عن المهاترات السياسية كما هو معروف، والموقف من إيران نموذج لذلك، ولا أعني الموقف الأخير فقط، بل مواقفها من إيران على مدى عقود نستذكرها ونعجب أن التاريخ لم يسجل كلمة مسيئة أو كذبة على المملكة طوال 4 عقود من سقوط حكم شاه إيران وتولي نظام الملالي.
كيف أساءت إيران إلى جيرانها في هذا الزمن؟!
الحروب الأخيرة في الإقليم كانت خلفها إيران؛ أو اقتحمتها إيران لتمثل دور المخلص وهي تتعامل مع الحدث بمخ لص يشبه الفرح بجهاز الهاتف الأرضي في الصورة المعروفة في زمن تفوق الأجهزة الذكية؛ لكنها نجحت في أمر يهمها وهو التخريب والفتنة وإثارة التوترات وتسييس الدين وتديين السياسة في أجزاء من سورية ولبنان والعراق واليمن. بالمقابل بقيت حكمة المملكة تجنح للسلم ما لم تجد أن الحرب خيار لا بد منه.
أذكر في لقاء للدكتور عبدالله النفيسي أستاذ العلوم السياسية تناول موضوع اليمن قبل سنوات فقال: (إن رئيس اليمن السابق يؤجر ثلاث جزر على إيران وثلاثا على إسرائيل)؛ وكان المثير وقتها ما قيمة ثلاث جزر بالنسبة لإيران؟! حتى كشر الحوثي عن أنيابه وأخذ يناوش حدودنا ويرمي بسمومه عليها، وبعدها بدأ يعتدي على مواطنيه ويحارب حتى العبادات عند السنة كالصلوات في المساجد ومنها التراويح في رمضان!
السؤال المهم: ماذا بعد؟! خاصة أننا في ظل التعدي المستمر على الأرض العربية وبث الأتباع المدججين بالحقد على الحياة الناشرين لثقافة الموت وبعبارات مسمومة تبرئ القاتل وتصوره بالضحية؛ بينما تحول المسالم لمجرم يتحمل ذنب تاريخ قد لا يعي شيئا منه!
سواد إيران وحزبها يجاوره سواد داعش حذو القذة بالقذة، لأنهما يقاتلان صفا واحدا الأبرياء ويسحقون المسحوقين من باب ترويع القوي بأخذ الضعيف! هذا السواد الغاضب الذي يسكن في نفوس الأتباع ولا يرفق بشيخ ولا بامرأة ولا بطفل، فيغرر بالصغار ويشتريهم من آبائهم مقابل راتب شهري ليحملوا السلاح حتى الموت أو الإعاقة في أحسن الأحوال؛ بعد أن يبث في عقولهم معلومات خاطئة ليقفوا ضد أوطانهم، خاصة أطفال اليمن الذين أوهموهم أنهم يحاربون داعش، فتحولت حياتهم بوجود الحوثيين إلى دائرة معاناة لا تنتهي.
سواد ينحر الصورة الجميلة التي للإسلام في نفوس غيره، ويسعى إلى تغذية الفرقة والتضليل. وبث الشائعات واختلاق القصص والأحداث التي لم تقع نموذج آخر لما تقوم به، فهي تحارب على كل صعيد بالسلاح والخداع والتزييف الإعلامي، وآخر ما حدث ادعاء قصف السفارة الإيرانية في اليمن مع أن المملكة لم تقابل إساءة إيران لسفارتنا هناك بالمثل، بل تعاملت بمنتهى الرقي، ولو فعلت وقابلت الإساءة بالإساءة لن تلام.
لماذا يكذبون ولا نفعل ويعتدون ونجود؟!
غادر السفير الإيراني مطمئنا إلى أننا محمديون لا نقتل السفراء، وعرب لا نذل ضيفنا؛ بل نقدمه على أنفسنا، وإنسانيون لا نجازي السوء بالسوء.
لم تتدخل المملكة يوما في شأن داخلي لإيران أو تبث أتباعا ومحرضين فيها، أو تحدث تفجيرا أو شغبا على أرضها، ومع هذا لم نكد نسلم يوما من أذاهم الذي طال حتى حجاج بيت الله، فعلام يتكئون في غيهم وإفسادهم؟! أ ما من حدود لأطماعهم؟!
الوضع الإنساني في مضايا وموت الناس من الحصار جوعا لم يحرك إيران ولم تحتج عليه لأنها من ترعى قتل الأبرياء هناك بينما تدافع عن المحكومين بالإعدام عندنا!
تشنق في الشوارع المعارضين خاصة من السنة؛ وتعتبر كل مفسد على أرض العرب وليا وخليلا لها!
تريد أن تحكم عروبتنا برطانتها، وقرآننا بفارسيتها، ورحمة إسلامنا بجرائمها السياسية، وتسن لها حقا في كل ما ليس لها حق فيه وتدعي أنها تمثل الإسلام! كلا والله ليس الإسلام بعمائم سوداء التفت لتسفك الدماء، ولكنه خير وأمن للبشر لا تعرفه السياسة التي ينتهجها الملالي.
والله يدافع عن المؤمنين ويقف نصيرا للمظلومين، ولن تنجو إيران ومن والاها مما يحدث من جرائمها، وما وقوف العالم مع المملكة وطرد عدد من الدول واحتجاج أخرى على تصرفاتهم المشينة إلا إشارة مهمة إلى أن النصر على إيران ومخططاتها غير السوية قريب بإذن الله.
سياسة المملكة غير المندفعة تقود الأمور بحكمة، وبوعي لا يتخلى عن مواقفه من العدو ولا يأمن جانبه، والغضب الإيراني في مواجهة الهدوء والحكمة دليل نجاح سياستنا في استفزاز إيران؛ كذلك من يصدق ما تزعم إيران من دفاع عن الحقوق والحريات وهي تسرف في القتل والقمع في أرضها وخارجها بلوامسها الأخطبوطية المثيرة للفتنة، ويبدو أنها فشلت مؤخرا في ظل الإعلام الجديد في حجب واقعها البائس عن الناس وحجب واقع الناس عن شعبها، فلا نحتاج إلى كاتب بسخرية الجاحظ من أهل مرو وبخلهم في كتابه البخلاء، ولكننا نحتاج أن نعي أن عداوة السياسة الإيرانية اليوم نار مقدسة ما تزال مشتعلة ولو تحت رمادهم!