سأختار لكم هذا الصباح قصة خبرية قد لا تهم السواد العريض من القراء الكرام، لكنها من وجهة نظري قضية جوهرية أساسية.
بالأمس، وفي أخبار 3 صحف، يقول العنوان: جامعة شقراء ترفض فتح مقاعد الدراسات العليا في 8 تخصصات مختلفة تم اعتمادها من قبل وحصلت فيها على موافقة الوزارة. ولكم من الخيال أن جامعة ناشئة لا يتعدى عمرها الزمني 5 سنوات ترزح تحت الضغط المجتمعي لفتح برامج الدراسات العليا، وأين: في تخصصات العلوم التطبيقية كالفيزياء والكيمياء، وفي جامعة ما زالت في مراحل التجريب من أجل نجاح برامج التعليم الجامعي الأساسي الذي لم يتخرج منه سوى دفعة أو اثنتين، هذه بالضبط، هي أم الكوارث، وعليه أرفع لمعالي الوزير مناشدتي إلغاء معظم برامج الدراسات العليا، وفي كل الجامعات، لأننا وبكل وضوح وصراحة، نفتقد، حتى في أعرق الجامعات، معايير الجودة التي تضمن حتى الحد الأدنى من كفاءة الجودة العلمية لمثل هذه الشهادات والبرامج. ويؤسفني أن أكتب لكم هذا الصباح جوانب مظلمة من هذه المهزلة: كلية لإعداد المعلمات (فيما سبق) تمنح شهادة الدكتوراه لطالبة في محافظة محايل، وأخرى تمنح ذات الدرجة في القنفذة، وكل هذا كان قبل سنوات، فما المعايير وكيف سيكون الخراج؟
الخلاصة الأهم: من أستاذ الجامعة الذي سيحترم قواعد المهنة ثم يقبل بوظيفة جامعية للإشراف على طلاب الدراسات العليا في رفحاء أو سراة عبيدة؟ وأهم من هذا كله: هل نحتاج إلى هذا الاستنزاف ولكل هذا الهدر من أجل برامج (ديكورية) في مجال الدراسات العليا، ثم نخرج بهذا المنتج الهزيل؟ هل نحتاج في الأصل إلى برامج للدراسات العليا ونحن نعلم أن مثل هذه الشهادات لا يحتاجها سوى حقلين: إما وظيفة التدريس الجامعي، وإما معامل البحث العلمي المتخصصة، وكل ما عدا هذين الحقلين مجرد هرطقة وعبث. ومن المخجل بمكان أن أكتب لكم هذه الحقيقة الأخيرة: 9 جامعات ناشئة حصلت في السنوات الثلاث الأخيرة على رخص اعتماد 37 مسارا للدراسات العليا، وهذه ذروة المهازل. جامعات ناشئة لم تحصل حتى اللحظة على رسالة يقين من جودة مخرجاتها وقدرة طلابها على المنافسة في سوق العمل، ثم تقفز إلى برامج دراسات عليا، وهي التي لم يتخرج منها بعد طالب واحد في المرحلة الجامعية.
أختم برسالة إلى معالي الوزير: معظم هذه البرامج ينطبق عليها المثل الشعبي: (حشفا وسوء كيلة). كل خراجها يا صاحب المعالي يخضع للضغط المجتمعي من أجل تطريز الوطن بالشهادات الهابطة دون حاجة فعلية.