فارس الغنامي


‏لا تزال الجلسات الصباحية في القرى القريبة من ضباء باقية إلى الآن بكل نكهات الماضي الكلاسيكي، حيث يجتمع المتقاعدون وكبار السن في مكان واحد بالقرية كل يوم، هي باختصار أرواح منتعشة، والجميل أيضا أني أذهب لجلسة العم أبي سالم قبل الذهاب لعملي وأنا أستميت على ''فتته'' الصباحية، بل إن عمال البلدية بتلك القرية تقدم لهم أكواب الشاي مع قطع ''الجمرية'' تعاونا وحبا صادقا على الأخوة التي حث عليها ديننا.

هي حقبة صباحية تؤرخ الماضي وقيمه الفاضلة، والجلسة الصباحية لا تخلو من المأكولات الشعبية ''الفتة مع السمن - وقطع خبز الجمرية ''اللبة''،حيث يتناوب أفراد الجلسة الدور بالجلسة يوميا بالفطور، حتى ذلك الراديو القديم الذي هو على شكل حقيبة والذي كان مبرمجا على إذاعة bbc حلت شاشة البلازما المعلقة بدلا منه لتجذبهم القنوات الشعبية، ولأنها تبث فيهم الحياة وتعطيهم الأمل في المحافظة على تلك العادات، أما المواضيع التي تتم مناقشتها في الجلسة فتغيرت كثيرا. أذكر أنها كانت أحاديث جلسة المشراقة التي لا تخلو من ''بيع وشراء المواشي - و الحديث عن المزارع - والتذمر من سلوك البعض من شباب القرية - ومناقشة المشكلات، والفترة المخصصة طبعا للعب السيجة 'أما اليوم فلا تخلو يد جليس المشراقة من هاتفه الذكي، وعندما شاهد العم أبوسالم وهو عراب الجلسة ''من بيده الهاتف قال له ''أدحر عنك الوايت صوب''، وترجمتها ''دع عنك الواتساب''. جلسة المشراقة اليوم لا تخلو من الأحاديث السياسية والدعاء لأبناهم بالحد الجنوبي، ولكن الأجمل أن جلسات المشراقة مستمرة ومحافظة على عادة جمع أفراد القرية وحث الجيل الجديد على الاستمرارفي تنمية حب الجماعة وما صاحبه.

نظرة العم أبي سالم لجيل اليوم كانت سوداوية وعندما طلبت منه توضيحا مفصلا قال لي: ‏مشكلة جيل اليوم انعدام الجو العائلي الحميم، والصداقة الغائبة بين الأب وابنه وغياب ''الخيزرانة'' والزيادة في دلال الأبناء، لأن البعض يعتقد أنه إذا ما عاش في مرحلة التعب والصبر وصعوبة لقمة العيش يجب أن يعوض ما عجز عن تحقيقه لنفسه في ابنه وتنفيذ جميع ما يطلبه وهذه مصيبة كبيرة. فحين يكون الولد في جو يستجاب لكل طلباته هنا يصبح ركيك الشخصية وعديم الشعور بتعب ما يحصل عليه وهنا يتعرض لمحاولات زرع سلوكيات خاطئة، سواء من الشارع أو حتى من الإنترنت.