العدالة عمود الاستقرار في المجتمعات وسبب رئيس في رخائها وتطورها وتقدمها، وأصل ثابت في مسيرة العمران البشري. والقضاء هو وسيلة العدالة التي بها تستقيم لتضع الحقوق في مواضعها وتكبح شهوة الظلم وتقمع سطوة الظالمين. وبقوة القضاء ونزاهته وأصالته واستقامته تتجانس قوى الخير في المجتمع فلا تضيع الحقوق ولا تؤكل الأموال بالباطل ولا يبطر قوي على ضعيف ولا يخضع أو يذل ضعيف صاحب حق أمام جاه البطر أو رهبة السلطة. وهذه الوظيفة الكبرى التي ينهض بها القضاء التي أعطته، في كل الأنظمة والمجتمعات، الهيبة والاحترام والتقدير ومنحت المنتسبين إليه الحصانة التي تحفظ عليهم استقلالهم وتهبهم القوة والمنعة في وجه كل وسائل الضغط.. وتحرص كل الأنظمة والمجتمعات المتحضرة على أن يكون للقاضي من الدخل ما يفي باحتياجاته الحياتية حتى يستطيع صون عفته ونزاهته من حيل ومداخل المفسدين الذين لا يترددون في البحث عن نقاط الضعف البشري في جهاز القضاء. والمفسدون لهم أساليبهم الشيطانية التي يلبسونها ثياب الكسب المباح من بيع وشراء حتى يوقعوا "الغافلين" ويستدرجوا من لم تصنه نفسه عن مواطن "الشبهات".

ِ ونحن في المملكة لسنا بدعا من المجتمعات التي تتأثر حياة أفرادها ومؤسساتها وبرامج اقتصادها وقوانين استثماراتها بواقع القضاء وأنظمته ووسائله لتحقيق العدالة ولهذا كثر، في السنوات الأخيرة، تعرض وسائل الإعلام لأخبار القضاء والحوادث القضائية ومتابعة بعض القصص التي تختلط فيها الحقيقة بالخيال الناتج عن الزيادة في النقل والرواية في ظل نقص المعلومات والطوق المضروب على هذا الجهاز تحت لافتة الحصانة... ويختلف الناس حول مساحة تناول القضاء في وسائل الإعلام العامة، فهناك من يرى عدم الإشارة إلى أخطاء بعض أفراد هذا الجهاز بحجة أن ذلك يسيء إلى هيبة القضاء ويمس مكانة القضاة التي هي" الضمانة" الحقيقية لحفظ الحقوق. وهناك من يرى أن حصانة القضاء وهيبته واحترامه يجب ألا تكون حاجزا أو مانعا دون تصويب ما يقع فيه البعض ويسيء للمجموع بل إن معالجة أخطاء القلة وكشف مزالقها وسقوطها في "شباك" أهل الفساد الذين لا يتورعون عن تشويه صورة العدالة تعد دعما لهذه الحصانة التي يراها الجميع ضرورة ويقدرونها. ومنطلق احترام وتقدير الجميع يرجع في أصله إلى الدور الذي يقوم به الجهاز من حفظ حقوق الناس فإذا تهاونت القلة في هذا الحق فإن نقدها وتسليط الضوء عليها يعد عونا على حفظ حصانة وهيبة القضاء. ولعل مبادرة بعض المسؤولين في المؤسسة العدلية إلى الحديث أمام وسائل الإعلام وفي اللقاءات العامة عن القضاء وملابسات علاقته بالناس والتعليق على ما تتناقله وسائل الإعلام يؤيد الرأي القائل بعدم تعارض اهتمام وسائل الإعلام بالقضاء واحترامه وصيانة هيبته. ومن شواهده محاضرة معالي وزير العدل في الجامعة الإسلامية الأسبوع الماضي، التي أثنى عليها الحضور ووصفتها بعض الصحف بالشفافية والموضوعية والعلمية ( لم أكن من الحضور واعتمدت على تغطية الصحف). ومحاضرة معالي الوزير برصانتها ووضوح طرحها تلهم المهتمين بقضايا العدالة في بلادنا أفكارا تستحق التأمل والمناقشة حتى تستبين السبيل للجميع وحتى يزول" اللغط" المثار نتيجة تجارب الأفراد في المحاكم وما تنقله الصحافة من "وقائع". وسأقتطف بعض المعاني التي وردت في محاضرة الوزير لنرى كيف ينظر المسؤول الأول عن جهاز بالغ الأهمية في مجمل مقتضيات بسط العدالة في حياة الناس. يقول معالي الوزير: (قضاة المملكة ليسوا ملائكة ولكن أخطاؤهم قليلة جدا وهي إن حدثت فهي نتيجة اجتهادات عن حسن نية.. وإن القضاء السعودي سجل رقما مهما في النزاهة عالميا وهو من أفضل أنظمة القضاء على مستوى العالم في معايير النزاهة. وإن عدد القضاة في المملكة يتخطى المعيار الدولي العالمي النموذجي للقضاة. وإن الجانب الموضوعي، وهو مادة القضاء مصدره الكتاب والسنة. وهذا الجانب لا يدخله الجدل ولا النقاش، أما الجانب الثاني فهو الإجرائي ويقصد به "الحكمة" التي هي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها أنى وجدها. إن الالتباس بين الأمرين: الموضوعي والإجرائي، لدى بعض الناس هو الذي سبب لهم خلطا وإشكالا. وتحفظ على تعبير "إصلاح القضاء" ووصفه بالخاطئ وأن الصواب هو "تطوير وتحديث القضاء". وقال إن المبادئ القضائية تلتقي مع التدوين والتقنين من جهة ضبط الأحكام.. وإن المبادئ القضائية يلتزم بها جميع القضاة ولا يحيدون عنها ويجب أن يحترموها . ومن كان له رأي يقدمه إلى المحكمة العليا وهي التي تنظر وستأخذ بالصواب. وقال إن تدوين الأحكام والالتزام بها كان معمولا به ومن يخرج عنها يساءل بل يوبخ إذا أصر ولم يأت بما يقنع. وقال إنه تتبع ما يوجه للقضاء في المملكة فوجد أن 80% منه يأتي من دول غربية نتيجة لتنظيرات مجحفة وتصورات خاطئة.. وقال إن أغلب القضايا المتأخرة في المحاكم هي نتيجة لتأخرها لدى نظر أهل الخبرة في القضايا التي يحتاج فيها إلى نظرهم.

قلت: إن محاضرة معالي الوزير تلهم المهتمين بالحوار وتثير قضايا تستحق المناقشة على مستويات مختلفة فما يتعلق بالمستخلص من مصادر التشريع (الكتاب والسنة) يترك لأهل الدراية والاستنباط من العلماء الأجلاء فهم أهل الذكر وما يتعلق بالإجراءات والاستفادة من "الحكمة" يناقشه أهل الاختصاص من القانونيين والإداريين والتنظيميين وتبقى مساحة أخرى ترتبط بحياة الناس ومشاهداتهم اليومية وتجاربهم في ملاحقة حقوقهم في أروقة المحاكم فهذه "مساحة حرة" نقرأ فيها الواقع ونشترك في البحث عن علاج أخطائه. وليس من الواقعية ولا احترام القضاء أن يقال للناس ما يخالف مشاهداتهم وما ثبت عندهم بالممارسة. فتأخر القضايا في المحاكم أمر مشاهد يكاد يكون موضع إجماع الأغلبية فإذا ربطناه بما أشار إليه معالي الوزير من أن عدد القضاة في المملكة يتعدى المعيار الدولي فهذا معناه وجود خلل يقتضي المعالجة. ما أريد أن أخلص إليه هو أن احترام القضاء وصون هيبته أمر متفق عليه لكن نقد الشذوذ وكشف الضعف البشري في الجسم القضائي وتتبع قنوات الفساد هو الآخر أمر أرى أن يكون موضع اتفاق وترحيب حتى نزيل التعارض الوهمي بين حصانة القضاء وحقوق الناس.