ومع كل الاعتذار؛ غبت عن الكتابة في الأيام الخمسة الأخيرة؛ لأن شتاء أبها قد جمّد الدماء في العروق فما بالك بالحبر في جوف القلم.
حاولت الحصول على رقم لنسبة الأسر السعودية التي تركت منازلها خلال إجازة منتصف العام؛ فلم أحصل على معلومة موثقة؛ لكنني عثرت مساء الأربعاء على هذا الخبر اللافت للانتباه من الموقع الإلكتروني الأول لصحيفة الخليج الإماراتية: "53 طائرة لبضع شركات نقل جوي تصل إلى دبي في اليوم الأول لبدء إجازة الربيع السعودية"، هو بالنسبة إلي أعلى رقم قرأته في حياتي لحركة الملاحة الجوية ما بين دولة ومدينة.
أطرف ما قرأته في التعليق على هذا الخبر ليس إلا صورة (واتس أب) وفيها مئات العوائل السعودية في لقطة تاريخية في إحدى صالات مطار دبي وتحتها كتب التعليق التالي: تم وبحمد الله استكمال وصول المملكة العربية السعودية إلى دبي، ونفس خبر صحيفة الخليج يقول إن منفذ البطحاء الإماراتي - وهو لديهم تحت مسمى (الغويفات)- قد استقبل في الأيام الثلاثة الأولى من (إجازة السعودية) القصيرة 120 ألف سيارة خاصة؛ أي بمعدل 40 ألف سيارة في اليوم الواحد، وهنا تكتمل الصورة في السؤال الذي كتبته، ولا زال، وسيبقى في القادم من الزمن: لماذا دبي؟ والجواب: لأن هذه (الـ ـ دبي) تبعث رسالة اطمئنان على الأمن والسلامة أولا، فكل عائلة سعودية تشعر أن أصغر أطفالها تحت رقابة ومراقبة آلاف الكاميرات في أكبر الأسواق والفنادق والشوارع.
العائلة السعودية تشعر في دبي بالأمن والسلامة، وكيف لا؛ وهي المدينة التي أخمدت حريق 70 طابقا لواحد من أشهر فنادقها دون حالة وفاة واحدة، وببضع إصابات لم تكمل واحدة منها ليلتين في المستشفى؟! تشعر العائلة السعودية بالأمان والاطمئنان في دبي؛ لأنها تدخل أكثر نقاط المدينة ازدحاما تحت قانون صارم لا يستطيع فيه (مراهق) أن يتحرش أو ينبس على البقية ببنت شفة، تذهب العائلة السعودية الكبرى إلى دبي، ثم تتوزع في المشوار الواحد على بضع سيارات أجرة، وهي تعلم أن مدينة (النظام والقانون) قد تنهي مستقبل السائق وشركة التأجير؛ بشكوى من مكالمة واحدة.
تختار العائلة السعودية هذه (الأثيرة) دبي؛ لأن المدينة قد رسخت في العقل الباطن لكل زوارها من بقاع الأرض؛ أنها مدينة رقمية حاسوبية تفتح كل مباهجها وخياراتك فيها على الشبكة العنكبوتية، من الفنادق والأسواق والمطاعم والملاهي، مرورا بكل تفاصيل سائحها اليومية، ثم تغادرها لتكتشف أنك لم تخدع أبدا بالعرض ولا بالصورة الحاسوبية، وتكتشف في نهاية الرحلة أنك حصلت في الواقع على ما لم يستطع العالم الافتراضي الحاسوبي أن يشرحه لك.
مدينة واقعية تفوقت على (الافتراضي)، والجملة الأخيرة وحدها تشرح: لماذا دبي؟