تثبت إيران يوماً بعد الآخر أنها ما زالت تدار بعقلية الميليشيات أو التنظيمات السرية وتلك التي تغرد خارج نسق الدولة المدنية النظامية التي تحترم التعهدات والمواثيق والأعراف الدولية، وحالها في ذلك يشبه إلى حد كبير كوريا الشمالية وطالبان، مما يجعلها دول مارقة ومنعزلة وتتخذ مساراً سلوكياً يصادم القواعد الأساسية المتفق عليها بين الدول ولو في حدها الأدنى.
لقد شعرت إيران بجدية التوجه السعودي العازم على تقليم التوسع الإيراني في الخواصر العربية الضعيفة "لبنان، سورية، اليمن، العراق" ولذلك فقدت صوابها وبدأت تلطم كلامياً وعملياً بما لا ينسجم مع اللياقة والمعاهدات الدبلوماسية الدولية وفقدت رشدها عندما قامت المملكة مؤخراً بتنفيذ حقها السيادي والشرعي في حق الإرهابي نمر النمر ضمن حشد من الإرهابيين الذين طغوا وأكثروا فينا الفساد.
ولذلك أطلقت كلابها ليقتحموا ويحرقوا سفارة وقنصلية المملكة في طهران ومشهد، ثم تولى كبار رجال الدولة ووزراؤها رجم المملكة ووصفها بأقذع الصفات وأردأ الكلمات عبر المنصات الرسمية أو من خلال الكتابة والنشر في الصحف والمجلات العالمية ويشترك في ذلك أقطاب النظام الإيراني ومسؤولوه، ويكفي مثلاً لذلك مقالة وزير الخارجية جواد ظريف والتي نشرت افتتاحية لجريدة (نيويورك تايمز)، ويستظرف جواد ظريف في هذه الكلمة حينما يلبس نفسه وبلاده لبس الحمل الوديع الساعي للصداقة والتعاون والسلام مع العالم ومع الدول الصديقة والمجاورة ويقدم توطئة لرفع الحصار المرتقب عن جهود إيران الحثيثة للتعاون والبناء ليصل إلى أن دولة شريرة (هي المملكة) حالت وتحول دون السماح لإيران المتحضرة بتنفيذ أجندتها الحضارية والأخلاقية.
أجمل وصف اختزل هذه المقالة كان لوزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، عندما قال: "إن كلمة ظريف تجعلني أشك أنه يتحدث عن إيران الإسكندنافية؛ لا عن إيران التي يعرفها كل العالم".
لقد عمدت إيران مع قرب رفع العقوبات ومع الوجع الذي أصابها على إثر الصدمات السعودية التي لطمتها في غير موقع إلى توظيف الإعلام الغربي لتشويه سمعة المملكة وعمدت في سبيل ذلك إلى شراء واستكتاب العديد من الأقلام الموهومة أو تلك التي تشترى.
وبقي علينا مواجهة هذه الحملة الشتائمية بتوظيف طاقاتنا الإعلامية والدبلوماسية لتوضيح موقفنا من كل الاتهامات الكاذبة وفضح إيران من خلال الوثائق الفاضحة لتورطها خلال العقود الماضية في كثير من التفجيرات التي تنفذها تنظيماتها الممولة في عدد من الدول، وكذلك التذكير بتجرؤها لأكثر من مرة على الاعتداء على المقرات الدبلوماسية.
إن الحمل كله في هذه المعركة الإعلامية واقع على وزارتي إعلامنا وخارجيتنا، ولا شك في أن (العادلين) الطريفي والجبير، على قدر من المهارة والحصافة لإدارة مثل هذا الملف في مثل هذا الظرف، أولاً لفضح إيران أكثر مما هي مفضوحة، ثم لتحسين سمعتنا مما طالها خلال السنوات الماضية من تشويه تسببت فيه القاعدة وفيلق بدر وعصائب أهل الحق وداعش وحزب الله والحشد الشعبي وغيرها من التنظيمات التي تمارس كل أوزارها وعنفها ولا ينجو من أفعالها إلا إيران وإسرائيل!