نعيم الشامي
يتابع اللبنانيون منذ سنة ونيّف إصرارا كريها لدى حزب الله، قيادة وإعلاما، على إظهار كل ما في الصدور من حقد وغدر تجاه المملكة العربية السعودية ودورها ومآثرها تجاه لبنان والعرب. لا يمر شهر إلا ويتحفنا الوجه الإعلامي لهذا الحزب بإساءات تنكر الحاضر والماضي، وتشي بأسوأ النوايا تجاه وطن عربي لم ينفكّ يوما عن رعاية وطننا لبنان رعاية الأخ الأكبر.
وفي زمن الحرب الأهلية، يوم كان حزب الله وأمثاله من الميليشيات يستغلون غياب الدولة لإقامة مقومات دولتهم، كانت المملكة العربية السعودية تدعو جميع أبناء الوطن للتلاقي على حل يحيي مؤسسات الدولة في لبنان، وتبذل كل الجهود مع الأطراف الدوليين لتثبيت السلم. في تلك الأيام العجاف، من يستطيع أن ينسى "سوى اللئيم" كافة التسهيلات الاقتصادية والاجتماعية التي قدمتها المملكة للبنانيين الذين وفدوا للعمل لديها؟ من يستطيع أن يثبت أن المملكة فضّلت طائفة لبنانية على سواها في هذه المزايا مع أنها كانت تملك جميع المبررات للقيام بذلك؟ في المقابل، من يستطيع أن ينسى موقف إيران، بشخص أحد مسؤوليها الذين زاروا لبنان عقب حرب تموز سنة 2006، عندما تنادى للاجتماع به مجموعة من رجال الأعمال من جنوب لبنان، آملين أن يلاقوا دعما اقتصاديا وتسهيلات تجارية من إيران، وإذ به يردهم قائلا ما مفاده: "أي تجارة وأي اقتصاد؟ لقد أكرمكم الله بأنكم تقطنون بجوار عدو لتقاتلوه وتستشهدوا فقط". إذا، إيران تنظر إلى أهلنا في جنوب لبنان على أنهم ولدوا ليموتوا فقط، وليُقَدّموا قرابين على طاولة المساومات الإيرانية مع الغرب.
أما في الصراع العربي الإسرائيلي، يدّعي الإعلام الإيراني وتوابعه بالعداء لإسرائيل، ويأخذون على الدول العربية سيرها بالحل السلمي لهذا الصراع، ويزايدون على العرب تخليهم عن القضية الفلسطينية. فيما وقائع التاريخ ما تزال ماثلة أمامنا بكل حقيقتها، وتخبرنا أن العرب هم من قاتلوا إسرائيل في حروب أربع، أعوام 1948، 1956، 1967 و1973 لم تشارك إيران في أيٍّ منها، والعرب هم من جنّدوا جيوشهم لمقاتلة إسرائيل، وأعادوا تصويب استراتيجياتهم الاقتصادية لتصبح اقتصادات حرب، وهم من تحملوا تبعات اللجوء الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى اليوم، وهم من تدمرت بلادهم مرات عدة بسبب هذا الصراع الذي خضناه منذ سبعين سنة حتى اليوم. إن عدم قدرة العرب على تحقيق الآمال في الصراع ضد إسرائيل ليس مرده تقصير في النضال، بل تغير أسس وركائز النظام العالمي عند نهاية الحرب الباردة، وتحول القوة العالمية لصالح من يدعم إسرائيل.
في المقابل، إن إيران هي التي انزوت متفرجة ومستحية كأشباه الرجال، ولم تشارك بدعم المجهود الحربي العربي ضد إسرائيل، ولم ترسل جنديا من جنودها، ولم تكلف نفسها عناء إطلاق رصاصة واحدة ضد إسرائيل، اللهم سوى الهتاف الأجوف "الموت لإسرائيل". لا بل تواطأت مع إسرائيل في الفضيحة الشهيرة "إيران-غايت" وأمنت مشتريات أسلحة في حربها ضد العراق في الثمانينات. ونأتي اليوم، سنة 2016، إلى أوان تحديد الخيارات. فبين دولة كانت تسمى حتى الأمس "دولة مارقة" ومملكة عربية شريفة لم تبادرنا إلا بكل ما هو طيب وأصيل، نختار المملكة. وبين نظام إيراني منافق يتاجر بالقضايا والشعارات ومتسخ الأيدي بالدم العربي البريء، ومملكة تتفقد المظلوم والمعوز ولو كانا في آخر الأرض، سنسير حتما في ركب المملكة.
وإن اشتد الاستفزاز المذهبي المَوْتور في لبنان، واستلزم الأمر أن نجاهر بارتباط ما، نقول إن المملكة هي مرجعيتنا، شأننا في ذلك شأن لبنانيين آخرين لم يترددوا في اتخاذ الفقيه وليا أو بابا روما أبا روحيا. بين أن نكون رجالات وفاء أو رجال غدر، فإننا نعتز ولن نتردد في تعداد مآثر المملكة. إن التطلع إلى المملكة بات يتجاوز مسألة الوجود الاغترابي اللبناني في الخليج، ليصل إلى الدور العربي برمّته. فمع مصر التي تجهد للخروج من كبْوَتها الاقتصادية، ومع العراق النازف وسورية المدمَّرة، لم يبق سوى المملكة العربية السعودية التي يُعَوّلُ عليها لتثبيت الدور العربي، وحفظ الحد الأدنى من الكرامة العربية. إننا ندرك ونعي تماما أن حزب الله بات يملك كل أدوات الترويع والقتل في لبنان، وهو يملك الإمكانية لرصدنا وأذيّتنا منذ دخولنا مطار بيروت إلى حين ولوجنا غرفة النوم، ومع هذا لا يسعنا إلا أن نقولها كبيرة "شكرا" للمملكة وشعبها، مع التمني بألا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا.