نشرت قبل أيام عدة مصادر إخبارية مختلفة اعترافا مهما على لسان القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، خلال تأبينه أحد قيادات الحرس الثوري الذي قتل في معارك حلب نهاية شهر ديسمبر الماضي، أشار فيه إلى جاهزية أكثر من 200 ألف مقاتل تابع للحرس الثوري في خمس دول في المنطقة.

يأتي هذا الاعتراف تأكيدا على أن سياسية إيران للتوسع في المنطقة تتخذ عدة أشكال وصور، على رأسها ما تقوم به المؤسسات العسكرية المختلفة في عدة دول، وهي الآن لا تخجل من ذكرها علنا وذكر نواياها التوسعية، كما جاء في كلمة جعفري تلك.

هذه النوايا للتوسع والانتشار في المنطقة، لا تأتي بهذه المقدرة العسكرية فقط، بل تتكامل مع عدة مجالات أخرى، منها: المجال الاجتماعي والثقافي والديني.

الجمهورية الإيرانية قائمة على فكرة الأيديولوجيا الدينية المتمثلة في "الولي الفقيه"، والتي تتبع بشكل مطلق تعليمات المرشد الأعلى للدولة الذي تكاد تكون له السلطة المباشرة على كل ما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية لإيران، وما يشكل ملامحها الأساسية، فهو بهذا يحتاج إلى تقوية علاقته مع الشعب ويزرع فيه قيمه ومبادئه، ويضمن ولاءه وانقياده للمرشد، وإيمانه المطلق بالولي الفقيه، ولأن الدين هام لدى كل الشعوب، فإنه الطريقة التي تتبعها إيران للسيطرة على الشعب وضمه تحت جناحها.

وعليه، فإن المجالات الدينية في إيران فرضت نفسها خلال مفهوم "التقليد" الذي أصبح قوة سياسية واقتصادية واجتماعية حاضرة، وأصبح كل فرد من عوام الشيعة مقلدا أحد المراجع، لاعتقادهم أن تدين الفرد منهم لا قيمة له ما لم يكن مقلدا، ويظهر هذا الانقياد واضحا في دفعهم الخُمس عن طواعية لمراجعهم الفقهية، باعتبارهم وكلاء الإمام خلال غيبته.

المؤسسات الدينية في إيران تتمثل في صورتين واضحتين:

الأولى، الحوزات المنتشرة في مناطق مختلفة في إيران، وأشهرها حوزة قم التي تعد وجهة ومزارا دينيا وتعليميا واجتماعيا شهيرا، وتولي القيادات الإيرانية اهتماما كبيرا لدورها في تعزيز سلطة الحكومة الدينية، عن طريق تشييع المراكز الثقافية خاصة في الجامعات، والسيطرة على الإنتاج الثقافي بمجالاته المختلفة من صحف وأفلام ومواقع فضائية وإنترنيت، وخلال اختيار ممثلي الحوزات لأعمال إشرافية وقيادية على الصحف وفي الجامعات ترتبط بمؤسسات لها علاقة بالمرشد الأعلى للجمهورية بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتمتد عباءة التعليم في الحوزات الدينية لتشمل الاهتمام بمختلف العلوم، وإرسال أبنائها إلى جامعات رائدة ومتطورة حول العالم.

في حديث قديم للمرشد الحالي علي خامنئي يقول: "نظرا لأن الفقه هو المحور الرئيسي لنشاط الحوزات العلمية، يجب أن يتسع نطاق هذا الفقه ليشمل المجالات الحديثة الظهور، كما أن نظام الحوزة يجب أن يدرأ الشبهات بالإبداع في المباحث الكلامية والفلسفية، وكذلك يجب أن تتجلى في الحوزة شجاعة طرح هذه المباحثات".

الصورة الأخرى للمؤسسة الدينية في إيران، تظهر في المراكز الدينية التي تضم المساجد والمزارات والأضرحة ودور النشر التابعة للحوزات، والتكايات ومراجع التقليد والحسينيات وغيرها، وتدعم هذه المزارات والأضرحة بشكل خاص تعزيز فكرة الولاية، وتعد رافدا اقتصاديا مهما من جهة، وداعما لتمكين نظرية الولي الفقيه داخل إيران ونشرها في دول الجوار والدول الإسلامية الأخرى، وتستطيع القيادة خلال المكانة الروحية والاجتماعية التي تحظى بها هذه المزارات من حشد تأييد شعبي كبير لها في مختلف قضاياها السياسة والثقافية.

ومن المؤسسات التي تسهم في تأسيس الولاء للنظام الإيراني داخل وخارج إيران بين الطبقات الفقيرة، خلال توسيع قاعدة المستفيدين منها بمسحة عقدية إمامية تحمل رسائلها السياسية والثقافية؛ هي المؤسسات الاجتماعية والثقافية، خاصة أنها تحت سيطرة قادة الحرس الثوري ورجال الدين، وتعمل بمباركة المرشد مباشرة.

تعد هذه المؤسسات من أخطر المنافذ التي تعتمد عليها إيران في انتشارها في دول الجوار وفي مختلف الدول، لسهولة اختراقها الحدود ووصولها إلى المجتمعات البسيطة التي تنقاد تلقائيا لمن يمد لها يد المساعدة والعون، خاصة إن كانت ذات طابع ديني.

من أهم هذه المؤسسات الخدمية والاجتماعية مؤسسة "الشهيد" التي أسست عام 1980، بهدف كفالة عوائل القتلى الذين سقطوا خلال الثورة الإسلامية على الشاه، وتوسع دورها لاحقا ليشمل كفالة ورعاية أسر قتلى الحرب الإيرانية-العراقية، وإن كان هدفها الأساسي ضمان بقاء دورها الاجتماعي الريادي، ويعد مهدي كروبي من أشهر قياداتها قبل القائد الحالي محمد رحيميان.

تمول هذه المؤسسة بشكل مباشر من النظام الإيراني بميزانيات خاصة، ومن أموال الخُمس، وتمتلك عدة مراكز طبية ومدارس وأنشطة اجتماعية في عدة دول: كغزة ولبنان وتونس ومصر والإمارات.

ومن المؤسسات الاجتماعية والثقافية الإيرانية الشهيرة، والتي تدعم وتتابع بشكل مباشر من النظام، مؤسسة المستضعفين المكلفة بمصادرة أموال الشاه ورجالاته، والتي تعني بمصابي ومتضرري الثورة والحروب، والتي تعد من أكبر المؤسسات من نوعها حول العالم، ومؤسسة 15 خرداد التي رصدت مكافأة مالية كبيرة لمن يقوم باغتيال سلمان رشدي مؤلف كتاب "آيات شيطانية"، ومؤسسة إمداد الإمام وغيرها التي تخدم أهداف الثورة الإيرانية، وترتبط بمؤسسات ثقافية وإعلامية كمؤسسة الفارابي للإنتاج السينمائي، ومؤسسة التبليغ الإسلامية ورسلات.

تعمل جميع هذه الجهود الاجتماعية والثقافية بشكل متفق مع الملحقيات الثقافية للسفارة الإيرانية في مختلف الدول التي تبرع في تنظيم الأنشطة التي هدفها في التوسع السياسي، خلال نشر ثقافتها الدينية وتقديم خدماتها الاجتماعية والثقافية.

إن مجابهة التمدد الإيراني في المنطقة، والذي انطلق منذ عشرات السنين لا يكفي أن يكون جهدا سياسيا واقتصاديا كما حدث أخيرا بعد أن ضاق ذرعا بها بعض الدول، بل أن يرافقها حراك يوازي أنشطتها ومساعيها الممتدة.

يقول جوزيف ستالين: "افهم عدوك حتى تستطيع مقارعته!".