عبدالحميد جابر الحمادي


إلى عهد قريب لم يكن الإنسان يتعامل مع الحياة بأساليب الإدارة الحديثة، وإنما يعتمد على قوة صبره وحلمه وسعة باله وخبرته اليومية، ومع أن مبادئ الإسلام ظلت وستبقى هي الأساس الأول لنجاح العلاقات وأثرها في توطيد التواصل والتعامل مع الآخرين، لما تحمله من معان إنسانية جميلة، كالصبر والحلم والرفق والتسامح والكرم والمبادرة والتشجيع ونسيان العثرة والإيثار، إلا أن العلم وتطور الفكر البشري أثريا هذه المبادئ والمعاني بمفاهيم وأفكار تربوية وإدارية وتوجيهية تطور من سلوك الإنسان وترتقي بمهاراته في تعامله مع ظروف الحياة وتقلباتها.

فقد أضاف علم النفس والاجتماع والتنمية البشرية للإنسان مهارات ومفاهيم دفعت به لتحسين درجة أدائه وتعامله وتعاطيه مع الأحداث بشكل مميز وناجح، تسبب في تخفيف الضغط والصراع اللذين كان يعانيهما في وقت سابق نتيجة ضغوط الحياة اليومية في العمل والبيت والشارع والمجتمع، فمكنته من معرفة أساليب التواصل والاتصال وامتصاص لحظات الغضب وتوجيهه نحو الأسلوب الأمثل، ومكنته من اكتشاف عوامل وأسباب الضغوط التي تؤثر عليه لدرجة كبيرة فينشأ عنها التوتر والاضطراب والقلق والغضب المبرر.

فقد كان الناس يواسون بعضهم بعبارات مليئة بالأمل والتشجيع والمؤازرة لإرشاد الإنسان المنزعج والمتضجر (كطول بالك يا فلان) أو (وسع صدرك) أو (خلقنا الإنسان في كبد)، ولم يكن هناك إدراك لأسباب وعوامل تلك الضغوط والتوترات، بل كانوا يصفون الإنسان المتوتر بأنه حار وغير صبور وضيق الصدر وأخلاقه جافة، وكانوا يعالجون هذه المشاعر بتكرار النصيحة والموعظة إليه. إيماننا اليوم - بعلم النفس - يجب أن يتضاعف ويتعمق، لما قدمه للبشرية من إضافة مهمة في تحسين حالة وأداء الكائن الإنساني بطريقة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فقد سعى من خلال الملاحظة والتأمل والدراسة والتحليل لاكتشاف أسباب الضغوط والصراع والتوتر التي تتمثل في ضيق الوقت وكثرة المتطلبات وعدم وجود الأمان المادي وحجم المسؤولية وضغوط الأسرة المادية والعميل الجاف وحرارة الأجواء وازدحام الطرق وتدني الدخل الشهري وافتقار المهارات الإدارية، وغير ذلك.

وقام بعد ذلك بوضع مهارات وأفكار لمواجهة تلك الضغوطات والانفعالات، لتزيد من درجة الإنتاج والعطاء، مع المحافظة على سلامة الصحة وحضور التركيز والتفاعل، فلم يكن يعرف الإنسان من قبل مهارات إدارة الضغوط ومهارات إدارة الوقت ومهارات إدارة الأولويات ومهارات الإقناع ومهارات التفاوض ومهارات الاتصال ومهارات الإلقاء ومهارات التخطيط، بل كان يعتمد على الحدس والتخمين والمشي بالبركة والظنون.

جاءت هذه المفاهيم الجديدة لتمنح الإنسان قدرة تفوق طاقته ليتعامل مع ازدياد متطلبات الحياة بطريقة أفضل تحمي أغلى ما يملك (صحته وحياته)، ومع هذا ما زلنا نرى من يعد هذه البرامج التطويرية مضيعة للوقت والمال، مع أن القوة والأمانة اللتين ينشدهما كل إنسان من ثمار هذه المفاهيم والبرامج.