ذهلت الحكومة الصينية من طلب المملكة شراء 50 صاروخا أرض أرض، بوسعها أن تغير ميزان القوى في المنطقة، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية واقتصادية واتصالات ما بين السعودية والصين قبل ذلك الطلب، والأسوأ من ذلك من وجهة نظر الصينيين وجود علاقات دبلوماسية مع تايوان، والتي تعتبر في ذلك الوقت عقبة أمام العلاقات السعودية الصينية غير قابلة للنقاش، ولذلك كانت المفاوضات صعبة، لكن المملكة فازت بها ونجحت في إقناع الحكومة الصينية ببيع الصواريخ التي كان يقتصر بيعها على إيران.

من هنا كانت اللبنة الأولى لبناء العلاقات الدبلوماسية مع الصين في عام 1990، ورغم أن المملكة العربية السعودية تعد آخر دولة عربية تقوم بتأسيس العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، إلا أن هذه العلاقة حققت إنجازات كبيرة على المستوى الدبلوماسي والسياسي.

وتعتبر العلاقة الأمتن في الوقت الحالي من بين دول العالم العربي والإسلامي، وما يؤكد ذلك هو ما صرح به الرئيس الصيني (شي جين بينغ) عبر مقالة نشرها في صحيفة الرياض في عدد الإثنين الموافق 18/ 1/ 2016، قال فيها: "المملكة العربية السعودية تعتبر المحطة الأولى له في جولاته الخارجية، كما أنها أول بلد عربي يقوم بزيارته بعد توليه رئاسة جمهورية الصين الشعبية".

الرئيس الصيني (شي جين بينج) ليس بغريب على المملكة العربية السعودية، فهو قد زارها في عام 2008 عندما كان نائبا لرئيس الصين، وما زال يتحدث وبامتنان النبلاء كيف أن السعودية وقفت معهم في شدتهم بتقديم مساعدة مادية قدرها (60 مليون دولار) عندما تعرضت إحدى محافظات مقاطعة سيشوان الصينية في عام 2008 لزلزال مدمر، وكانت تلك المساعدة أكبر دفعة من المساعدات الخارجية التي تلقتها الحكومة الصينية في تلك الكارثة الطبيعية التي مرت بها، هذا الامتنان الذي تحفظه لنا الحكومة الصينية وتذكره في كل مناسبة ترتبط بالعلاقات السعودية الصينية لم ألمسه من قبل الحكومة فقط، بل حتى على مستوى المواطنين الصينيين الذين قابلت كثيرا منهم بحكم دراستي في مقاطعة سيشوان، وهي نفس المقاطعة التي تعرضت لكارثة الزلزال المدمر، فما إن أذكر لبعضهم أني مواطن سعودي حتى يبادروا بالتعبير عن امتنانهم لدعم السعودية لهم يوم تعرضهم لتلك الكارثة، ثم يسمعونني كثيرا من كلمات الشكر والعرفان، ما يجعلني أردد بيني وبين نفسي شطرا من قصيدة المتنبي (إذا أنت أكرمت الكريم ملكته).

وقفت السعودية مع الشعب الصيني الكريم، ليكون تعبيرهم عن امتنانهم للسعوديين حكومة وشعبا، دليلاً على أصالتهم وكرمهم الراسخ في التاريخ الصيني، المتصل بحاضر نهضتهم الاقتصادية التي جعلتهم الرقم الأصعب في التغير الاقتصادي العالمي، بمعجزتهم الأشبه بالمستحيل في معادلات ونظريات علم الاقتصاد.

الصين في الوقت الحالي هي المستورد الأكبر للنفط السعودي، كما أنها تستورد بتروكيماويات من شركة سابك بأكثر من ملياري دولار سنويا، بينما استثمرت أرامكو في جنوب شرق الصين بـ3 مليارات دولار، لبناء منشأة للبتروكيماويات تعالج 8 ملايين من النفط الخام السعودي، كما تم بناء منشأة في الصين وافقت عليها حكومتا السعودية والصين في عام 2006 لتخزين النفط بقيمة 624 مليار دولار، وبلغ حجم التبادل التجاري أكثر من 48 مليار دولار خلال النصف الأول فقط من عام 2015، وهذا يجعلنا أكبر شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط، وتربط بيننا العديد من المشاريع الضخمة، ولن يكون آخرها افتتاح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله- بالأمس الأربعاء مصفاة ياسرف في ينبع، وهو المشروع المشترك ما بين أرامكو السعودية وشركة سينوبك الصينية.

كل هذه العلاقات الاقتصادية القوية والشراكة الاستراتيجية ما بين السعودية والصين وخلال فترة قصيرة جدا في عمر العلاقات الدبلوماسية، تجعل من علاقتنا بالصين أمتن علاقة في تاريخ الشرق الأوسط، مما يسهل علينا تقديم رؤيتنا إليهم بخصوص الأزمات التي أشعلتها إيران في المنطقة، وأن أمن مصالحنا الاقتصادية الضخمة المشتركة يزداد كلما توطدت العلاقات بين الحكومتين متانة، لدعم عمليات الحكومة السعودية الهادفة إلى صنع الأمن في المنطقة، وبذل الجهود للحد من تدخلات إيران الإرهابية في شؤون دول الجوار، والسعي إلى إيقاف دعمها للميليشيات المسلحة في اليمن ولبنان وسورية والعراق.

دولة الصين بوصفها المستفيد الأكبر من إمدادات النفط السعودي وبصفتها عضوا دائما في مجلس الأمن، وكونها قوة اقتصادية وعسكرية عظمى، بوسعها أن تستفيد اقتصاديا وسياسيا من الفراغ الذي خلفه انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من المنطقة، وبإمكانها عبر الشراكة مع المملكة العربية السعودية ترتيب الفوضى التي صنعتها إيران، وإعادة الأمن والسلام، ما سينعكس بشكل مباشر على اقتصاد الصين التي ستستفيد من استقرار المنطقة عبر بناء علاقات اقتصادية جديدة، تبني الإنسان اليمني والسوري والعراقي واللبناني الذي أنهكته معاول الهدم الإيرانية، وينتظر قوى الخير والسلام، فخير من يمثلها في هذه المرحلة هما الصين والسعودية، لصناعة حياة آمنة وكريمة في تلك الدول المنهكة.