يحكي التاريخ كثيرا من أعاجيب قصصه عن التنوير والتنويريين في تاريخ الإنسانية الممتد طويلا، وصراع ومعارك العقل ضد الجهل والتخلف، والنهايات المأساوية التي لقيها كثير من أهل التنوير في المجتمعات غير الواعية بماهية ما يقوله الفلاسفة والمفكرون والمستنيرون، أو حتى ما يقوله الآخر وقت الاختلاف.
وتعتبر نهاية الفيلسوف اليوناني سقراط، أهم أمثلة خطورة التنوير في المجتمعات المتخلفة، فقد دفع حياته ثمنا لقاء سعيه الحثيث إلى بث التنوير في محيط مدينته وقراها، فسقراط الفيلسوف العظيم لقي نهايته على يد الشعب الأثيني وهو يحاول بث الوعي والتنوير بين أفراده، لكنهم لم يفهموا ويستوعبوا حتى طريقته في الدفاع عن نفسه وفكره ومقاصده التنويرية حينما وقف للمحاكمة، فذهب ضحية للحقد والجهل المسيطر على مجموعة من أفراد الشارع، وفداء لأهدافه السامية.
فيما يظل ابن رشد أهم الأمثلة التنويرية العربية العظيمة التي لقيت ويلاً من تاريخ الجهل الإنساني والتخلف العربي والإسلامي، وخسرت المكتبة العربية والإنسانية بإحراق كتبه وإتلافها إرثا ضخما من المؤلفات الفكرية الفلسفية، ما كان ربما سيزيد من تغيير وجه العالم وسرعة عجلة تقدمه أكثر من الوقت الحاضر.
إذ يُعتبر ابن رشد أفضل من قدم شروحات الفلسفة اليونانية وتحديدا الفلسفة الأرسطية التي استفاد منها العالم الأوروبي وكانت محل احتفاء وتقدير، وهي الفلسفة التي رفضها العقل العربي للأسف، ويفاخر بها حاليا في حالة تناقض كبيرة!.
وكاد الجهل يتسبب في قطع رأس جاليليو ذات ظلام فكري، وهو الأستاذ الجامعي الذي قال بعدم مركزية الأرض، وهذا ما خالف الكنيسة وأقوالها، فاتُّهم بالهرطقة ونقض ما جاء في الكتاب المقدس وبالجرح في الدين، فاضطر للتراجع تحت ضغط مطالبات تلاميذه ورفاقه من أساتذة الجامعة.
وهرب جان جاك روسو برأسه، من ذات الجهل التاريخي وبطش السياسيين في فرنسا، الذي ناضل من أجل توجيهه عبر مؤلفاته عن المجتمع، وكتابه الشهير (العقد الاجتماعي) 1762 الذي رفضته السلطة، وحاصرته الكنيسة، فاضطر إلى الهرب للريف السويسري ليقضي بقية عمره بعيدا عن الاعتقال والقتل وشر الكنيسة والسلطة، بعد أن نصحه أحد المقربين من الحكومة.
ولا يخفى على المتتبعين للتاريخ تعرض الأنبياء والرسل من قبل وهم أهل رسالات سماوية، وشوهت رسالاتهم وقاومها من قاومها من المعارضين والمعترضين والمنكرين، وحُوربوا وقُتل بعضهم وعُذب البعض الآخر ونُكّلَ بأتباعهم.
اليوم يعيد التاريخ الجاهل نفسه، وبنفس الصورة القبيحة التي لم يخجل منها يوما، ويضع مصطلحات ومفاهيم القتل والقتال والأحقاد والكراهية والتربص والانقضاض والغدر والنذالة في مقدمة أولوياته، وهذا ليس إلا تكريسا لمفاهيم العالم البائس.
إن معركة الإنسان الرئيسة الحاسمة في الواقع -من وجهة نظري- تتمثل في الحرب على الجهل الفكري والثقافي والأخلاقي والاقتصادي والعلمي، لأن القضاء على الجهل سيقضي بدوره على كل ما يليه كنتيجة حتمية، كالفقر والتخلف والثأر والأحقاد، وسيقلل من حجم الشر والأشرار في هذا العالم.
المعركة ضد الجهل لا أظنها ستنتهي، في ظل استمرار سيطرة أي فكر أحادي على المجتمع الذي يحل عليه، فذلك يعني إعادة لمشهد تاريخي قبيح، قدم الإنسان من خلاله النموذج التعبيري الأسوأ للذات والشخصية والتراث والثقافة والفكر، ووضعه موضع المساواة مع الحيوان الذي لا يفكر ولا تعنيه الثقافة والعلم في شيء، ليكون الإنسان ساعتها، في أسوأ المراتب في سلم الأخلاق والعدالة والإنسانية والقيم النبيلة.