تبدأ ولاية الرئيس الأميركي التي تدوم أربع سنوات بالتدرّج: فالسنة الأولى تكون عادة لتنظيم إدارته وأخذ الموافقة عليها من الكونجرس. ثم تكون السنة الثانية للانتخابات النصفية في مجلسي الشيوخ والنواب. أما السنة الثالثة فتكون للسياسة الخارجية. أما في السنة الرابعة فيعود الجميع إلى الداخل للتحضير للانتخابات الرئاسية التي تشهد تنافساً حقيقياً داخل كلّ حزب لاختيار مرشحه ثم التنافس بين الحزبين لاختيار الرئيس ونائبه.

اختتم الرئيس أوباما ولايته الثانية في خطاب الاتحاد الأخير، والذي اتّسم بالكثير من المهارات الخطابية والإنشائية، شارحاً حكمة سياسته الاقتصادية والخارجية. وقد تزامن هذا الخطاب مع أسر الحرس الثوري الإيراني لجنوده في الخليج، وبث صور يظهر فيها العسكريون الأميركيون في حالة ركوع رافعين أيديهم فوق رؤوسهم.

أثّر مشهد الجنود الأميركيين المعتقلين في إيران على خطاب الرئيس الأميركي، الذي كان يريد أن يتمادى في اعتبار الاتفاق النووي مع إيران إنجازاً تاريخياً كبيراً لدبلوماسيته ولسياسته الانكفائية.. إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الحديث عن الشرق الأوسط بطريقة غير مسبوقة شابه الكثير من التناقض وتجاهل الحقائق، وخصوصاً عندما قال إنّهم يخافون من الدول الفاشلة أكثر من إمبراطورية الشر. والمقصود في الأدبيات الأميركية بإمبراطورية الشر هو إيران، وهذا تطور يجب التوقف عنده لما فيه من تسويق لإيران وسياساتها الإقليمية والدولية.

تحدث الرئيس الأميركي عن شعوبنا ومنطقتنا بشكل غير مسبوق، إذ قال إنّه يقرأ كلّ صباح تقارير المخابرات، أي ما يفعله الرئيس الأميركي صباحاً، حيث يبدأ يومه بقراءة تقارير "الإنتليجينسيا". ولذلك فإنّ الرئيس الأميركي يرى أنّ النزاع في المنطقة سيستمر لأجيال قادمة لأنّ "الصراع في المنطقة تعود جذوره لآلاف السنين"، وهذا اقتباس شبه حرفي لما جاء في خطاب الرئيس الأميركي. إنّ هذه الصورة النمطية الجديدة التي تحاول الإدارة الأميركية الحالية أن تصنعها لشعوبنا ومنطقتنا تستدعي من المفكرين العرب الوقوف عندها، والتّأمّل فيها والعمل على الرد الجماعي الثقافي والفكري العربي والإسلامي على هذا الحكم المبرم وغير العاقل وغير الحقيقي، كان يجب أن نتوقف عند هذه الجملة المدمّرة لأجيالنا ولشعوبنا رغم هول ما يحدث في أكثر من مكان من إثارة للنزاعات المذهبية والطائفية والعنف الموصوف الذي يمارس بحقّ الأبرياء الآمنين.. إلاّ أنّ ذلك له أساس كانت أميركا المسبب الأول له ولا تزال.

نرفض ما جاء في خطاب الرئيس أوباما بما يخصّنا، لأنّنا نعرف كيف بدأ النزاع في المنطقة قديماً وحديثاً، إذ إنّ هذه الشعوب عاشت مئات السنين بعيداً عن النزاعات المذهبية والطائفية التي تحدّث عنها أوباما، وحتى بعد نكبة فلسطين، فكان العرب والمسلمون بكلّ أطيافهم وتكوّناتهم الدينية والمذهبية والقومية يجدون في الاحتلال الإسرائيلي عدواً وحيداً. وكلّنا يعرف من كان وراء إسرائيل ووجودها في المنطقة منذ وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 حتى الآن، وكيف أنّ الأمم المتحدة التي ولّدت إسرائيل بقرار من الجمعية العامة في عام 1947، والتي لم تلتزم إسرائيل بأي قرار من قرارات الأمم المتحدة، مما أسقط ثقة شعوبنا بمجلس الأمن، وذلك كان السبب المعلن للمملكة العربية السعودية في رفضها العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن بعد انتخابها بأغلبية غير مسبوقة من الجمعية العامة، لأنّ مجلس الأمن يتصرف بانحياز دائم لمصلحة إسرائيل ضد العرب والمسلمين بالذات، إما برفض إسرائيل الانصياع للإرادة الدولية أو بسبب الفيتو الأميركي الدائم لمصلحة إسرائيل. والمعروف أنّ قضية فلسطين كانت السبب الأول لفشل الدولة العربية وبالذات دول الطوق التي احتُلّت أراضيها.

أمّا الانهيار الكبير وتحويل الاختلاف المذهبي إلى نزاع، فلقد جاء بقرار أميركي من خلال دعم أميركا للثورة الخمينية في البداية والتخلي عن شاه إيران، ثم بدفع صدام حسين إلى حرب الخليج الأولى مع إيران، ثم حرب الخليج الثانية واحتلال الكويت بنصيحة من سفيرة الولايات المتحدة إيبرل جلاسبي ثم حرب تحرير الكويت والإبقاء على صدام، ثم حرب الخليج الثالثة واحتلال العراق وتفتيته تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين، بناءً على تقارير النخبة الكاذبة التي يقرؤها الرئيس أوباما كلّ صباح، والتي تأكّد العالم والأميركيون أيضاً أنّها كانت تقارير كاذبة وغير صحيحة، كان يُراد منها تبرير احتلال العراق وتفكيكه من أجل دخول إيران إلى المنطقة والشراكة مع أميركا في صناعة الفوضى الخلاقة. وقد تناسى الرئيس أوباما أنّ الرئيس الأميركي بوش الابن احتلّ العراق لأسباب دينية تعود أيضاً لآلاف السنين.