هذه الأيام هي أيام المتخصصين في علوم المال والأعمال، وبات السوق العالمي، وهو يترنح يمنة ويسرة، يقدم لهم أفضل الفرص في حياتهم لتقديم النظريات والمقترحات، وبجولة سريعة يتبين للمتابع أن هذه السيناريوهات يمكن حصرها في ثلاثة سيناريوهات رئيسية: متفائل، ومتشائم، وبيْن بيْن.
المتفائلون يرون أن الغمة ستنقشع قريبا، وأنه تم وضع مجموعة من الإجراءات المناسبة لتلافيها، وأن هذه الإجراءات كفيلة بعدم تفاقم الأمور. والمتشائمون يرون أن هذه الأزمة ستفوق أزمتيْ عام 1929م، وعام 2008م، وأن الكساد قادم، وسيعم العالم، والركود العام، وارتفاع معدلات التضخم لا مفر منهما. والذين هم بين هؤلاء وهؤلاء يرون أن التعافي غير بعيد، وأنه مرهون بالتشخيص الصحيح، والعلاج الدقيق.
في مواسم الأزمات يعاني ـ سبحان الله ـ الأثرياء أكثر من غيرهم؛ ويظل الواحد منهم يفتش في دفاتره القديمة، وينبش عن كل هللة، فضلا عن قرش، أو ريال، عادات هؤلاء الأثرياء في الأزمات التي سآتي على بعضها تستحق التنويه، والحقيقة أنها تصلح لغير الأثرياء بالدرجة الأساس، فمثلا؛ لا بد أن يتحدث رب الأسرة مع أسرته عن دخله، ويتبادلون جميعا وجعات النظر المالية، ومن أهمها ضرورة توفير 20% من الدخل الشهري للأزمات القادمة، كما أن عليهم البعد عن التفكير في الرهن، أو القروض الشخصية، وتأجيل فكرة الشراء لغير الضروريات، والاحتفاظ بما هو موجود، وتخفيض الفواتير الشهرية، وإن كان لا بد من الشراء فلا بد من البعد عن السلع المنخفضة السعر، فالقاعدة عندهم أن "الغالي سعره فيه"، والسلعة الجيدة الغالية تدوم عدة أعوام، أما الرخيصة فلا تدوم طويلاً، وتبديلها لن يتوقف، كما أنه لا بد من تدوين الواردات والمصروفات، والالتزام الصارم بالميزانية الشهرية، وعدم الاعتماد في الشراء على "البطائق الائتمانية"، لأن المفاجآت متوقعة، بل إن الأثرياء يعتبرونها "مأساة مالية".
في فترة أزمة عام 2008 أفادت دراسة، أجريت بجامعة (لينجنان)، في (هونغ كونغ)، وشملت أكثر من 800 شخص، أن الأثرياء يشعرون بالحزن والقلق بسبب الأزمة المالية، وأن الطبقة الوسطى تشعر بالحزن من تدهور أوضاع الاقتصاد العالمي، في حين يشعر الفقراء بالسعادة.
الباحثون الذين أجروا الدراسة يعتقدون أن السبب الرئيسي الذي يجعل الفقراء أسعد في مواجهة الأزمة هو أنهم لا يملكون ما يمكن أن يخسروه بسببها، ولا يمكن أن يخسروا الكثير نتيجة انهيار الأسعار.
الدراسة التي ذكرتها سابقا، فيها من التسلية الشيء الكثير، كما أنها مناسبة للأزمة الحالية، وآمل أن يفهم منها عدم الدعوة إلى الفقر والمسكنة أو التواكل والكسل، فالفقر لا بد أن يكافح، لأنه قد يكون معصية، وقد يكون نكبة، وكاد أن يكون كفرا، كما جاء في الحديث الذي رواه أبي شيبة والبيهقي عن سيدنا أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ .
أتمنى أن تكون هذه المرحلة عابرة، وتكون فرصة حقيقية لردم الفجوة بين احتياجاتنا، وبين مواردنا، وأن تكون فرصة للاعتدال في الإنفاق، وفرصة للموازنة بين الضروريات والكماليات.