سأحكي عن ما يمكن تسميته (المَطَوع)، وهو شخص في الأصل مركب من بدوي تخلى عن تلقائية البداوة وحيويتها الجميلة محافظا على تعصبها ليمزجها بتدين سطحي يتناسب وتعصبه لعاداته، وقد لا يجد الشخص في كتب التراث القديمة أي أصل لكلمة (مطوع) يعطيها أي قداسة أو ميزة تمنحها حصانة من النقد أو التفكيك، بل هي بدعة حديثة.
ربما سمات شخصية (المطوع) أعطت هذه التسمية، (مطوع من التطويع، مطوع المعدن من يصنعه ويشكله)، وفي غفلة من الزمن بدأت ظاهرة المطوع تتشكل كأيديولوجيا حاول المطوع تعميمها وفق ما يسمى الآن عند البعض (أخلاق سعودية) يتناقلها الإعلام كما تناقل مثلاً خبر (سعودي يطالب بإنزال مضيفة من طائرة لعدم وجود محرم معها).
الأخلاق على مستوى القيم الإنسانية لا تحتاج أوراقا ثبوتية يمكن ضبطها بحدود سياسية، أو وصفة مذهبية خاصة لكيف تكون إنسانا نبيلا، ولهذا فما يحاول تعميمه المطوع من أخلاقويات يشكل بالنهاية منظومة اجتماعية مغلقة على نفسها تعيش معظم أزمات (الجيتو) نتيجة انقطاعها عن العالم الخارجي، وفي حقيقتها تعاني رهاب الفضاء العام، أو الخوف من التواجد الطبيعي للمرأة في الأماكن العامة، وتناقضات ذلك في (الشخصية السعودية) بين ما يعيشه في الداخل ويتعطش له في الخارج مع عائلته.
السعودي يعيش بالضرورة في مسكن له صالة طعام واسعة، وفيها تلفاز ونوافذ، السؤال المثير للدراسة النفسية والاجتماعية هي في السلوك العائلي الذي يتخلى عن هذه المساحات الواسعة ويتجه إلى أحد المطاعم فيحشر نفسه وعائلته في غرف صغيرة لا تتجاوز مترين في ثلاثة بلا أي إطلاله، ناسفا فكرة الأكل في المطعم التي تعتمد على تقاليد الفضاء العام المشترك (المفتوح)، ولا أبحث عن إجابات تتكئ على الفهم الديني، فالفهم الديني بمعناه السلفي التقليدي يكره للمرأة الخروج من منزلها أصلا لغير ضرورة، ولكن المطوع عندما غلبه التطور والمرأة على نفسه اتجه إلى المطاعم وبدأ في تطويعها لصناعة هذه العلب الصغيرة للعوائل، متناسين الوضع الطبيعي للمرأة في الفضاء العام منذ الأزل، ويكفي مجرد الاطلاع التراثي، خصوصا الإسلامي لنبصر خروج النساء للصلوات الخمس في المساجد، بما فيها صلاة الفجر دون وجود ساتر بين الرجال والنساء، وكذلك الأعياد، وكيف كانت المرأة تملأ الفضاء العام بحركتها من أجل العبادة والبيع والشراء والزراعة والمعارك، فالمسألة ليست لها علاقة بافتعال الحجج وعُقد (المَطِّوع).
في صباح يوم صيفي عام 1431، بأحد المنتزهات شرق أبها، كانت هناك عائلة من أب وأم وخمسة أطفال، الأب يلبس بنطلونا وقميصا والأم تلبس حجاب رأس فقط وقميصا بنجابيا طويلا مع بنطلون فضفاض دون وجود عباءة سوداء، والأطفال يلعبون، كان السعوديون يجاورون هذا الرجل وعائلته دون أن يبتعدوا عنه أو يطلبوا منه الابتعاد عنهم، بل أحيانا كان يشاهدهم يشيرون على نسائهم للجلوس بجواره هو وعائلته، ويذهب الرجال إلى مد بساطهم في أماكن بعيدة، كان يستغرب عدم تشدد السعوديين معه كرجل مع زوجته، كانوا مطمئنين له ولعائلته، كانت النساء قريبات منه وعائلته، بخلاف ما يتوقعه من السعوديين، ولأنه يعرف السعوديين جيدا فإنه كان يتساءل، لماذا إذا خرج الإخوة أو أبناء العمومة مع بعضهم يعمدون إلى خلاف ما لاحظه هنا من ثقة الآخرين به وبعائلته، حيث يعيشون في رحلتهم البرية أزمة البحث عن مكان بطريقة تطعن في شرف رفقتهم لبعضهم، فمن لا يثق في أخلاق ومروءة من هم معه فالأفضل له أن لا يسايرهم ويخرج معهم برفقة عائلته، لتجد البعض يبحث عن تلة أو جدار أو مجموعة سيارات ومسافة تتجاوز المئة متر تفصل بينهم وبين نسائهم.
لا تقولوا إن صاحب العائلة ذي الأطفال الخمسة من بنات أفكار الكاتب، بل هي واقع بقيت أعيشه لسنوات أنا وزوجتي بعد عودتنا من حاضرة الحجاز (مدينة جدة) في كل نزهة تقريبا، أقوم بها مع عائلتي وقد حاولتُ أن يستعيد الجنوبيون هويتهم التي ينقلونها فخرا عن الجدات دون أن يعيشوها وفشلتُ، ثم سافرتُ مكسور الخاطر إلى الشرقية وعرفت أحفاد بني عبدالقيس في القطيف، إذ تستعيد معهم رفق عائلتك حياة المروءة والكرم والذمم المحفوظة للرجل والمرأة.
قمت قبل ثلاث سنوات تقريبا بزيارة رفقة عائلتي إلى المكتبة العامة بأبها، وقد سعدت جداً بوجود مكتبة للطفل، وبقيت قرابة الساعتين أتجول وإياهم بين أقسامها المتعددة المتواضعة لكنها جميلة ومنظمة، وقد نقل لي من لا أثق بكلامه أنه بعد هذه السنوات أصبح هناك عزل نسائي في المكتبة (حفاظا على المرأة)، ولا أعلم عن صدق هذه المعلومة، فهل يعقل أن الأوقات الطويلة الممتعة التي تقضيها عائلاتنا في مكتبة جرير أو العبيكان بشكل طبيعي بين العاملين والزبائن على اختلاف جنسياتهم لا توجد فيها عقدة المطوع التي تشكك في منسوبي المكتبة العامة، رغم الأعراف والتقاليد الخاصة بالمكتبات العامة من حيث الهدوء والانضباط حتى في التعامل مع الكتب، لتصلنا رسالة إن صدقت هذه الحكاية بأن موظف المكتبة الحكومي أقل أهلية في تقديم الخدمة للجمهور من موظفي جرير والعبيكان.
محاولة منح الأخلاق والدين الجنسية السعودية عبر المطوع ملغيا تنوع العادات والآراء الفقهية بين الناس خلال خمسين عاما بحاجة إلى دراسة تاريخية سيكلوجية/ نفسية، وسوسيولوجية/ اجتماعية عميقة، إنها ارتطامات منحت المطوع رأسمالا رمزيا شد به على أهل القرى ليتخلوا عن هويتهم قسرا فيشكلوا حلفاً على البلدات والمدن والحواضر العريقة.
ارتطامات التعميم القسري لبعض العادات تحت غطاء ديني لتشمل عموم المناطق كجزء من الدين يقوم به المطوع، مع ارتطامات الحداثة، ارتطامات الوفرة المفاجئة، مع عجز المطوع عن إدراك كل هذا.
قائمة طويلة من الارتطامات عاشها (متعب الهذال في تحولات الرواية الملحمية) على يد المطوع وتطويعاته التي شكلت في مجموعها، ممانعة من الحراك الاجتماعي للأمام، ومنع أي محاولة للتكيف الإيجابي وطرد السلبي، كل هذا متراكم لعقود أدى إلى رضوض عميقة في نسيج المجتمع عموما، وفي حق المرأة خصوصا، مما أفرز جملة من التناقضات الغرائبية التي يعرضها العالم في إعلامه من باب التندر والضحك، وليس آخرها تحريم وتجريم قيادة المرأة للسيارة مع جواز ركوبها مع السائق الأجنبي، وتحريم سفر المرأة بدون محرم، مع استقدام المرأة المسلمة بدون محرم إلى بلادنا للعمل بضع سنوات، وأخيرا مشكلة جلوس عضوات المجالس البلدية على طاولة واحدة مع زملائهم، ولا ننسى الكوميديا السوداء للمطوع التي وصلت إلى داخل بعض الأندية الأدبية وهيمنت على عقول كثير من المطوعين ثقافيا، دون أن يرمش لهم جفن خجلاً من غرف العزل، بلا احترام للماجدات اللاتي قد يجادلن ويفاصلن البائع في السوق وجها لوجه بكل ثقة، فهن في الأسواق يعاملن حتى من بائع الخضار (نساء حرائر) وفي النادي الأدبي مجرد (حريم) يصوتون من وراء الجدران، فمن المثقف (بائع الخضار) أم النادي الأدبي؟؟!!.